الأربعاء، 13 نوفمبر، 2013

عندما يتكلم الموت في سوريا ـ بقلم حسين نور الدين




حسين نور الدين* 
عندما تغيب مدن بالكامل بملايينها من الناس عن الخارطة الكونية تتكلم عن سوريا. هذا ما يحصل في مدينة دير الزور منذ عشرة ايام وهو ما حصل فيها وفي غيرها من المدن السورية بفعل الحرب الدائرة في البلاد.
يمكنك ان تلعن من تلعن وان تشتم وان تصرخ وان تبكي.
جل ما يمكنك معرفته عن الدير كما يطلق عليها اهلها هو اخبار تتسقطها ممن سمح لهم بمغادرة المدينة (ولا اعلم ان كان الامر مستمر بالحصول). قبل اسبوعين كان يمكن للمدنيين ان يغادروا عبر معابر للجيش السوري والتوجه غربا او شرقا مرورا بنقاط المسلحين المعارضين من جبهة النصرة ودولة الاسلام في العراق والشام.
هذه هي حالة احدى المدن السورية في زمن الحرب.
انتقلت يوما من العاصمة دمشق الى اللاذقية غرب البلاد. ولما كان الطريق البري غير آمن. لجأت الى المطار الدولي طلبا لرحلة داخلية. عشرة مسافرين منهم ستة عسكريين. كنا في طائرة ياك روسية الصنع صغيرة جدا وقديمة. المطار مدينة للاشباح، والعسكريون المكلفون بالاجراءات يشربون الشاي ويتسامرون.
اللاذقية تعج بالحياة شبه الطبيعية ما خلا المظاهر العسكرية السائدة في الطرقات. كنا في مهمة اعلامية تتعلق بوصول سفينة الانزال الروسية نيقولاي فيلشينكوف الى ميناء المدينة. السيارات الرباعية التي تنقل عسكريين من الدفاع الوطني تتجول في كل مكان بمناسبة وبغيرها. أُعد استقبال للسفينة وطاقمها، عبر دعوة طلاب المدارس للتجمع بمحيط الميناء. الا انه والى ساعة كتابة هذه السطور لم تصل السفينة او لم يعلن عن وصولها.
القسمة بين شرق وغرب تسود في سوريا والبلدان المجاورة منذ عقود. منذ ان قسمت الحرب اللبنانية بيروت الى شرقية وغربية. مدينة حلب شمال سوريا مقسومة الى شرق وغرب ايضا ومثلها دير الزور شرق البلاد. في هذه المدينة وفي واحد من محاور القتال يتبادل المسلحون الكلام مع الجيش السوري من خلف الجدران. امتار قليلة تفصل بين المتقاتلين وفي ساعات الهدوء يكون الملل منطلقا لالعاب عسكرية من نوع اخر.
سلاح رشاش متوسط مقابل رشاش كلاشينكوف خفيف. قبل ايام واثناء مطاردة بين المسلحين والجيش السوري خلف احد المقاتلين سلاحه في ارض المعركة. رصده الطرفان ودارت حوله مفاوضات. فالسلاح مقنوص وكل يحاول التسلل لجلبه يتعرض للرصاص. لم تنفع محاولة اي طرف لانهاء الازمة لصالحه.  الى ان جرى الاتفاق بتبادل السلاح المتوسط برشاش كلاشينكوف عبر مد حبال وجر القطعتين باتجاهين مختلفين. هذا ما حصل فعلا بعد ان قال احد القادة الميدانيين : مللننا من مراقبة السلاح !
اذاً هناك دوما مجال للكلام وان كان دم كل طرف مستباح ومستهدف.
الرحلة الى حلب عن طريق حمص شاقة وحافلة بالمخاطر. فلم يمض على فتح الطريق البري سوى ساعات والتعزيزات العسكرية للجيش لا تزال متواضعة. نصل من حمص الى اثريا بريف حماه. كل انواع الاتصال مع العالم الخارجي تنقطع حتى لاجهزة هاتف الثريا. انت في اللامكان. مركز للبحوث الزراعية مهجور ومركز فيه بضعة غرف اتخذها الجيش مكانا لاستقبال احد المسؤولين.
من اثريا الى خناصر، طريق بالكاد يتسع لسيارتين، اثار العبوات الناسفة على الجانبين. بيت او اثنان او ثلاثة موزعة على مسافات بعيدة. منطقة رعوية يعيش فيها اعداد قليلة جدا من الناس.
دخلنا خناصر الخالية من اي مدنيين. اثار القذائف والدمار واضحة. المحال كلها متضررة، والجنود السوريون منتشرون في البلدة.
على مقربة من خناصر قريتا شلال الكبيرة وشلال الصغيرة بالقرب من سبخة الجبول وهو مستنقع مائي كبير جنوب مدينة حلب. في القريتين بيوت طينية جميلة، بنيت على شكل مخروطي. لونها بني وتستعمل للسكن وموزعة في عدد من القرى الصغيرة في المنطقة. اكملنا باتجاه الشمال.
معركة السيطرة على بلدة ابو جرين انتهت قبل ساعات، حالها كحال خناصر من الدمار واثار المعارك مع وجود عسكري شبه معدوم. قوات الجيش السوري في المنطقة لا تكفي لتثبيت السيطرة. او لعله الوقت الذي يحتاجه المحاربون لاختيار بيوت مناسبة عسكريا للسكن فيها وجلب متاعهم. داخل البلدة وعلى الطريق المؤدية الى السفيرة تمركزت دبابة وقربها في بيت كبير انتقل عصرا اكثر من عشرة جنود للتمركز فيه على مرمى من قناصة المعارضة.
اطلاق رصاصة من اي من الطرفين سيرد عليه. هو الانهاك الذي يمنع من استمرار المعارك ويجبر على التوقف عند خطوط التماس. نسمع بضع طلقات من محيطنا علمنا انها باتجاه السفيرة، ليأتي الجواب بصلية من الرصاص الثقيل، ولو استمرت هذه الصلية لتحركت الدبابة او مرابض المدفعية المتمركزة في تلال مركز البحوث على بعد بضع كيلومترات حيث تعزيزات الجيش. 
تنتهي الجولة ايذانا بليلة هادئة يتناول فيها المقاتلون الخبز والمعلبات والبيض المقلي. عاشت المنطقة ترقبا خلال الليل واستفاقت على خبر ايقاف باص فيه اربعون راكبا متوجهين الى ادلب. كيف وصل الباص ؟ من هم هؤلاء ؟ هل هم من المسلحين الذين ضلوا طريقهم او لم يعرفوا بالتطورات ؟
ساعات ويتبين ان الباص مدني فيعطى الاذن بانطلاقه الى هدفه. لا اجهزة حاسوب ولا اتصالات اكدت اي شيء عن الباص. هل هو التعب ام الثقة اللذان دفعا الى هكذا قرار ؟. مع ان باصات اخرى تقل نساء واطفالا اختطفت قبل فترة من قبل مسلحين معارضين بريف حلب الشمالي لم تفلح الوساطات في الافراج عنهم.
يومان واكثر غبنا فيها عن اي اتصال سوى بجهاز الثريا عبر القمر الصناعي، حين عاد الارسال اليه. في صبيحة اليوم الثالث استفقت باكرا. انا وفريقي انتظرنا ساعات قبل الانطلاق. فقد تكون عبوات زرعت على الطريق الذي سنسلكه للعودة. غريزة البقاء تدفعك الى ترك المرور لغيرك. فلنؤخر رحلتنا قليلا افساحا في المجال امام حركة باصات وسيارات ذهابا وايابا فنطمئن اننا لن نكون المصابين باي لغم مزروع.
واقع مجنون تعيشه سوريا، واقع من تفكك اوصال هذا البلد القوي والكبير. البلد الذي حكم بقبضة عسكرية لعقود. بلد يضرب بعيدا في التاريخ. اليوم يعيش اهل عاصمته هاجس سقوط قذائف الهاون كل ساعة وكل يوم.
انت تمشي ولسخرية القدر قد تصيبك قذيفة اينما كنت. فاذا ما حصل ذلك ستنقل الى المستشفى وسينظف المكان خلال دقائق ليتابع الالاف السير فوق خطواتك التي رسمتها قبل قليل.


*مراسل ومنتج في قناة الميادين يغطي الحرب في سوريا 

Al-Mayadeeen Feeds