الثلاثاء، 7 فبراير، 2017

رفسنجاني.. آن الرحيل


رفسنجاني أحد الآباء المؤسسين للثورة الإسلامية في إيران
رفسنجاني أحد الآباء المؤسسين للثورة الإسلامية في إيران
ليس سهلاً أن تكون كهاشمي رفسنجاني وتموت، والروح في طور الصعود ستشعر قطعاً أنك تريد أن تعود قليلاً لتنهي عملاً، لتترك رسالة، لتقول كلمة، ثم تقفل ملتحقاً بملك الموت صاعداً إلى حيث الحساب.
ليس سهلاً أن يموت في إيران شخص كأكبر هاشمي بهرماني المشهور برفسنجاني، أحد الآباء المؤسسين للثورة التي اقتربت من الأربعين. هو الرئيس وصانع الرؤساء، محترف المشي على الحبال دون رفّة جفن، تحسبه لبرهة قد انتهى فيأتيك من حيث لا تحتسب بألف لبوس ولبوس. لرفسنجاني نكهة فريدة، سياسي بعمة ولقب آية الله، البرجوازي الحامل لمشعل الثورة، الثعلب حيناً والحمل حين تقتضي الضرورة... قد لا يتفق الإيرانيون على حب الرجل وبغضه، لكنه بالنسبة لهم شخص لن يتكرر أبداً.
في العام 1934 كانت أولى صرخات إبن قرية بهرمان في منطقة رفسنجان، كانت عينا أمه ماه بي بي صفريان تتفحص وجه الطفل الجديد بينما كان والده الحاج ميرزا علي هاشمي بهرماني ينشد له احتفالاً قصائد من شعر مولوي وسعدي. هو الإبن السادس من أسرة تضم تسعة أبناء، تعيش مستوى حياتياً جيداً وتملك أراضٍ شاسعة، لهذا العامل دور كبير لاحقاً في حياة هاشمي الشاب من الثورة وحتى دخوله معترك الحكم.
كانت سنوات الدراسة من القرية وصولاً إلى الحوزة العلمية في قم منطلقاً مهماً في تكوين شخصية رفسنجاني السياسية والثورية. في قم تبلور المشهد الثوري أمامه، هناك شهد ارتدادات الإنقلاب الأميركي البريطاني الذي أطاح برئيس الوزراء المنتخب د.محمد مصدق في آب 1953، تعلق بشخصية رجل الدين الثائر الشاب نوّاب صفوي، ولاحقاً كانت نقطة التحول في حياته بتعرفه على رجل الدين المغمور حينذاك روح الله الموسوي الخميني الذي كان يقطن في البيت المقابل لمنزل آل مرعشي الذي كان يسكن فيه والذي سيتزوج منه لاحقاً.
تطورت علاقة رفسنجاني ببيت آية الله الخميني الذي كان دوره يتعاظم شيئاً فشيئاً إلى أن ظهرت النُذر الأولى للثورة بالتزامن مع إعلان شاه إيران حينذاك محمد رضا بهلوي إطلاق ثورته البيضاء في العام 1963. لم يمض الكثير حتى جاءت أحداث الخامس عشر من شهر خرداد الإيراني في المدرسة الفيضية في الحوزة الدينية في قم والتي طبعت مسار النضال ضد الشاه ومسار رفسنجاني بشكل خاص.
خلال السنوات الممتدة بين 1963 و 1979 قضى هاشمي وقته بين السجون وحياة الخفاء، عرف معتقل قزل قلعة سيء الذكر وذهب لفترة إلى الجندية ليهرب لاحقاً منها وليعتقل مجدداً. في هذه الفترة ألّف رفسنجاني كتاباً عن أبو الدبلوماسية الإيرانية أمير كبير، رئيس حكومة ناصر الدين شاه القجاري في القرن التاسع عشر.
كذلك عمل على ترجمة كتاب القضية الفلسطينية للمفكر الفلسطيني أكرم زعيتر. كانت سنوات النضال هذه مناسبة ليتعرف إلى مجموعة من الشباب الثوري الذين لازمهم ولازموه خلال السنوات اللاحقة، أبرزهم على الإطلاق كان شاباً منحدراً من مدينة مشهد يدعى علي خامنئي. علاقة رفسنجاني وخامنئي النضالية تحولت إلى ثنائية ثورية خلال العقد الأول من الثورة وفي العقود الأخرى أخذت أشكالاً مختلفة.

العلاقة بين الخميني ورفسنجاني كانت تشبه علاقة الأب بإبنه
العلاقة بين الخميني ورفسنجاني كانت تشبه علاقة الأب بإبنه
إنتصار الثورة في إيران عام 1979 شكل منعطفاً تحول معه رفسنجاني من مناضل إلى رجل دولة. كانت العلاقة بين الرجلين تشبه إلى حدٍ ما علاقة أب بإبنه، والواقع أن الخميني كان بحسب المقربين منه يرى في الشاب الأربعيني عموداً رئيسياً من أعمدة الثورة، ربما هذا ما دفعه يوم محاولة اغتيال هاشمي للقول "هاشمي حي لأن الثورة حية" ليعود ويقول في مناسبة أخرى "لا يمكن لشخص أن يكون بمنزلة هاشمي عندي".
مرحلة رجل الدولة حملت للرجل الذي كان يوصف بـ"دست رست إمام" أي اليد اليمنى للإمام حملاً ثقيلاً من التحديات. الصراع الداخلي بين مكونات الثورة كان واحداً من هذه التحديات، والحرب العراقية الإيرانية كانت مكوناً آخراً، العلاقة المتوترة مع الأميركيين من اقتحام السفارة الأميركية إلى ارتدادات السياسة الخارجية الإيرانية الجديدة المؤيدة للفلسطينيين والمعادية لإسرائيل كانت كذلك، ثم قضية إيران كونترا وزيارة مستشار الأمن القومي الأميركي روبرت ماكفرلين إلى طهران التي لم يكن يعلم بها سوى عدد محدود من المسؤولين على رأسهم هو.
لاحقاً جاءت قضية آية الله حسين علي منتظري الخليفة السابق للإمام الخميني والذي لعب رفسنجاني وخامنئي معاً دوراً محورياً في محاولة جسر الهوة بينه وبين المرشد، لكن دون جدوى.
إلى جانب كونه بين 1980وحتى 1989 رئيساً لمجلس الشورى الإيراني جرى تعيين هاشمي قائداً للعمل العسكري خلال السنوات الأخيرة من الحرب مع العراق، ويجمع من عاصروا وعايشوا تلك المرحلة أنه الشخص الذي أقنع الإمام الخميني في اتخاذ قرار إنهاء الحرب والقبول بالقرار الدولي 598 الصادر عن مجلس الأمن الدولي.
لم تمض أشهر كثيرة حتى جاءت الليلة التي انقطع فيها الأمل من استمرار مؤسس الثورة على قيد الحياة، حسبما أفاد الأطباء، الإمام الخميني كان يحتضر. في تلك الأمسية كان سؤال الخلافة يطرح في كل بيت إيراني، وفي كل الدول المؤثرة والمتأثرة بإيران. معظم الأجوبة كانت تحمل تكهنات أثبتت فيما بعد أنها لم تكن تلامس عتبة الواقع. حتى أصحاب الأمر في طهران لم يكونوا قد وصلوا إلى اتفاق يسهل عملية الإنتخاب، ولا حتى على صيغة واضحة للمرحلة المقبلة.
جمع رفسنجاني أوراقه وذهب إلى مجلس الخبراء حاملاً الحل، ذكّر الجميع بكلام الإمام عن رئيس الجمهورية خامنئي وأنه عندما طالبوه بتسمية خليفته لأن أيديهم فارغة، أجابهم "لماذا؟ لديكم السيد خامنئي".



صورة تجمع السيد الخامنئي مع رفسنجاني وروحاني
صورة تجمع السيد الخامنئي مع رفسنجاني وروحاني
مع انتخاب خامنئي ولي فقيه ورفسنجاني لاحقاً رئيساً للجمهورية بدأت في إيران مرحلة جديدة. أضحى البناء عنواناً لفترة التسعينيات ومعها أرسيت دعائم دولة ما بعد الحرب. کانت التغییرات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية تعصف بإيران ممهدة لإنتخاب السيد محمد خاتمي رئيساً للبلاد في العام 1997 خلفاً لرفسنجاني. إحتفظ الرئيس الشيخ بمنصبه رئيساً لمجمع تشخيص مصلحة النظام الذي تولاه منذ تأسيسه عام 1989، كما بقي عضواً في مجلس خبراء القيادة قبل أن يتولى رئاسته من عام 2007 وحتى 2011.
أثار أولاد رفسنجاني الكثير من الجدل في إيران، كانت فائزة نائبة في البرلمان وفي الوقت عينه أول رئيس تحرير لصحيفة "زن" أو المرأة النسائية، وكذلك فهي كانت فاعلة على الصعيدين الرياضي والإجتماعي، كذلك فقد ارتبط إسم ولديه محسن ومهدي بصفقات تجارية، وهو ما أدى إلى دخولهم السجن في مراحل لاحقة. فائزة أيضاً دخلت السجن وهي شاركت في العام 2009 في الأحداث التي وقعت بعد الإنتخابات الرئاسية، الأمر الذي فاقم من النظرة السلبية لعائلة رفسنجاني من قبل المحافظين بشكل عام. كذلك فإن رفسنجاني نفسه كان محلاً لإثارة الجدل، كونه صاحب إمبراطورية إقتصادية ضخمة ولديه قدرة تأثير كبيرة على من يوصفون بلوبي هاشمي الإقتصادي في البلاد.
كانت سنوات العقد الأول في الألفية الثانية ذات وجوه عديدة لهاشمي. حاول الرئيس السابق العودة إلى شارع باستور مقر الرئاسة الإيرانية، لكنه خسر بشكل مفاجئ أمام مرشح مغمور حينذاك يدعى محمود أحمدي نجاد. رفع الأخير كل الأسلحة الممكنة في وجه رفسنجاني متهماً إياه بالفساد واستغلال السلطة والقوة.
شكلت سنوات أحمدي نجاد أقسى ما يمكن أن يمر على هاشمي الذي بقي مصراً على المواجهة وإن بشكل غير مباشر. إنتهت فترة أحمدي نجاد الأولى وجاء موعد الإنتخابات في حزيران 2009 وكانت النتيجة أن فاز، لكن فوزه كان محل تشكيك للقوى المنضوية تحت مظلة الإصلاحيين وهو الأمر الذي تطور إلى احتجاجات وبدا إلى حد كبير أن رفسنجاني كان متعاطفاً معها، وهو الأمر الذي أثّر بشكل كبير على علاقته بخامنئي في السنوات اللاحقة.
حاول هاشمي مجدداً الترشح للرئاسة عام 2013 لكن مجلس صيانة الدستور رفض طلبه بسبب سنه، لكن هناك من يقول إن الرئيس الأسبق تقدم بترشيحه لقطع الطريق أمام مرشح أحمدي نجاد إسفنديار رحيم مشائي من الدخول إلى الانتخابات. وقتها كان يبلغ من العمر 79 عاماً. دعم رفسنجاني تلميذه حسن روحاني وابنه الروحي للوصول إلى الرئاسة وهو ما تمّ بالفعل.
سيطر على وزارات حكومة الأمل التي يرأسها اليوم روحاني وجوه معروفة بعملها سابقاً مع رفسنجاني، وهو ما دفع البعض للقول إن الحكومة لرفسنجاني والرئاسة لروحاني. كانت هذه مقدمة لترشحه على رأس لائحة شبه مكتملة لانتخابات مجلس الخبراء وفوزه بكل مقاعد طهران إلا واحداً في العام 2016 وهو في 81.
عام فقط على رفعه شارة الفوز وضع هاشمي رأسه على الوسادة للمرة الأخيرة. أتعبته السياسة؟ ربما، لكنه هو أيضاً كان متعباً لها، مستفزاً، مستنزفاً. سيتوقف مسلسل المذكرات عن الصدور، بعد اليوم كل الذكريات ستروى على ألسن أخرى، سيكون هو في صيغة الغائب، ما أصعب أن تكون بطلاً لقصتك في صيغة الغائب.

Al-Mayadeeen Feeds