الثلاثاء، 7 فبراير، 2017

رفسنجاني.. آن الرحيل


رفسنجاني أحد الآباء المؤسسين للثورة الإسلامية في إيران
رفسنجاني أحد الآباء المؤسسين للثورة الإسلامية في إيران
ليس سهلاً أن تكون كهاشمي رفسنجاني وتموت، والروح في طور الصعود ستشعر قطعاً أنك تريد أن تعود قليلاً لتنهي عملاً، لتترك رسالة، لتقول كلمة، ثم تقفل ملتحقاً بملك الموت صاعداً إلى حيث الحساب.
ليس سهلاً أن يموت في إيران شخص كأكبر هاشمي بهرماني المشهور برفسنجاني، أحد الآباء المؤسسين للثورة التي اقتربت من الأربعين. هو الرئيس وصانع الرؤساء، محترف المشي على الحبال دون رفّة جفن، تحسبه لبرهة قد انتهى فيأتيك من حيث لا تحتسب بألف لبوس ولبوس. لرفسنجاني نكهة فريدة، سياسي بعمة ولقب آية الله، البرجوازي الحامل لمشعل الثورة، الثعلب حيناً والحمل حين تقتضي الضرورة... قد لا يتفق الإيرانيون على حب الرجل وبغضه، لكنه بالنسبة لهم شخص لن يتكرر أبداً.
في العام 1934 كانت أولى صرخات إبن قرية بهرمان في منطقة رفسنجان، كانت عينا أمه ماه بي بي صفريان تتفحص وجه الطفل الجديد بينما كان والده الحاج ميرزا علي هاشمي بهرماني ينشد له احتفالاً قصائد من شعر مولوي وسعدي. هو الإبن السادس من أسرة تضم تسعة أبناء، تعيش مستوى حياتياً جيداً وتملك أراضٍ شاسعة، لهذا العامل دور كبير لاحقاً في حياة هاشمي الشاب من الثورة وحتى دخوله معترك الحكم.
كانت سنوات الدراسة من القرية وصولاً إلى الحوزة العلمية في قم منطلقاً مهماً في تكوين شخصية رفسنجاني السياسية والثورية. في قم تبلور المشهد الثوري أمامه، هناك شهد ارتدادات الإنقلاب الأميركي البريطاني الذي أطاح برئيس الوزراء المنتخب د.محمد مصدق في آب 1953، تعلق بشخصية رجل الدين الثائر الشاب نوّاب صفوي، ولاحقاً كانت نقطة التحول في حياته بتعرفه على رجل الدين المغمور حينذاك روح الله الموسوي الخميني الذي كان يقطن في البيت المقابل لمنزل آل مرعشي الذي كان يسكن فيه والذي سيتزوج منه لاحقاً.
تطورت علاقة رفسنجاني ببيت آية الله الخميني الذي كان دوره يتعاظم شيئاً فشيئاً إلى أن ظهرت النُذر الأولى للثورة بالتزامن مع إعلان شاه إيران حينذاك محمد رضا بهلوي إطلاق ثورته البيضاء في العام 1963. لم يمض الكثير حتى جاءت أحداث الخامس عشر من شهر خرداد الإيراني في المدرسة الفيضية في الحوزة الدينية في قم والتي طبعت مسار النضال ضد الشاه ومسار رفسنجاني بشكل خاص.
خلال السنوات الممتدة بين 1963 و 1979 قضى هاشمي وقته بين السجون وحياة الخفاء، عرف معتقل قزل قلعة سيء الذكر وذهب لفترة إلى الجندية ليهرب لاحقاً منها وليعتقل مجدداً. في هذه الفترة ألّف رفسنجاني كتاباً عن أبو الدبلوماسية الإيرانية أمير كبير، رئيس حكومة ناصر الدين شاه القجاري في القرن التاسع عشر.
كذلك عمل على ترجمة كتاب القضية الفلسطينية للمفكر الفلسطيني أكرم زعيتر. كانت سنوات النضال هذه مناسبة ليتعرف إلى مجموعة من الشباب الثوري الذين لازمهم ولازموه خلال السنوات اللاحقة، أبرزهم على الإطلاق كان شاباً منحدراً من مدينة مشهد يدعى علي خامنئي. علاقة رفسنجاني وخامنئي النضالية تحولت إلى ثنائية ثورية خلال العقد الأول من الثورة وفي العقود الأخرى أخذت أشكالاً مختلفة.

العلاقة بين الخميني ورفسنجاني كانت تشبه علاقة الأب بإبنه
العلاقة بين الخميني ورفسنجاني كانت تشبه علاقة الأب بإبنه
إنتصار الثورة في إيران عام 1979 شكل منعطفاً تحول معه رفسنجاني من مناضل إلى رجل دولة. كانت العلاقة بين الرجلين تشبه إلى حدٍ ما علاقة أب بإبنه، والواقع أن الخميني كان بحسب المقربين منه يرى في الشاب الأربعيني عموداً رئيسياً من أعمدة الثورة، ربما هذا ما دفعه يوم محاولة اغتيال هاشمي للقول "هاشمي حي لأن الثورة حية" ليعود ويقول في مناسبة أخرى "لا يمكن لشخص أن يكون بمنزلة هاشمي عندي".
مرحلة رجل الدولة حملت للرجل الذي كان يوصف بـ"دست رست إمام" أي اليد اليمنى للإمام حملاً ثقيلاً من التحديات. الصراع الداخلي بين مكونات الثورة كان واحداً من هذه التحديات، والحرب العراقية الإيرانية كانت مكوناً آخراً، العلاقة المتوترة مع الأميركيين من اقتحام السفارة الأميركية إلى ارتدادات السياسة الخارجية الإيرانية الجديدة المؤيدة للفلسطينيين والمعادية لإسرائيل كانت كذلك، ثم قضية إيران كونترا وزيارة مستشار الأمن القومي الأميركي روبرت ماكفرلين إلى طهران التي لم يكن يعلم بها سوى عدد محدود من المسؤولين على رأسهم هو.
لاحقاً جاءت قضية آية الله حسين علي منتظري الخليفة السابق للإمام الخميني والذي لعب رفسنجاني وخامنئي معاً دوراً محورياً في محاولة جسر الهوة بينه وبين المرشد، لكن دون جدوى.
إلى جانب كونه بين 1980وحتى 1989 رئيساً لمجلس الشورى الإيراني جرى تعيين هاشمي قائداً للعمل العسكري خلال السنوات الأخيرة من الحرب مع العراق، ويجمع من عاصروا وعايشوا تلك المرحلة أنه الشخص الذي أقنع الإمام الخميني في اتخاذ قرار إنهاء الحرب والقبول بالقرار الدولي 598 الصادر عن مجلس الأمن الدولي.
لم تمض أشهر كثيرة حتى جاءت الليلة التي انقطع فيها الأمل من استمرار مؤسس الثورة على قيد الحياة، حسبما أفاد الأطباء، الإمام الخميني كان يحتضر. في تلك الأمسية كان سؤال الخلافة يطرح في كل بيت إيراني، وفي كل الدول المؤثرة والمتأثرة بإيران. معظم الأجوبة كانت تحمل تكهنات أثبتت فيما بعد أنها لم تكن تلامس عتبة الواقع. حتى أصحاب الأمر في طهران لم يكونوا قد وصلوا إلى اتفاق يسهل عملية الإنتخاب، ولا حتى على صيغة واضحة للمرحلة المقبلة.
جمع رفسنجاني أوراقه وذهب إلى مجلس الخبراء حاملاً الحل، ذكّر الجميع بكلام الإمام عن رئيس الجمهورية خامنئي وأنه عندما طالبوه بتسمية خليفته لأن أيديهم فارغة، أجابهم "لماذا؟ لديكم السيد خامنئي".



صورة تجمع السيد الخامنئي مع رفسنجاني وروحاني
صورة تجمع السيد الخامنئي مع رفسنجاني وروحاني
مع انتخاب خامنئي ولي فقيه ورفسنجاني لاحقاً رئيساً للجمهورية بدأت في إيران مرحلة جديدة. أضحى البناء عنواناً لفترة التسعينيات ومعها أرسيت دعائم دولة ما بعد الحرب. کانت التغییرات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية تعصف بإيران ممهدة لإنتخاب السيد محمد خاتمي رئيساً للبلاد في العام 1997 خلفاً لرفسنجاني. إحتفظ الرئيس الشيخ بمنصبه رئيساً لمجمع تشخيص مصلحة النظام الذي تولاه منذ تأسيسه عام 1989، كما بقي عضواً في مجلس خبراء القيادة قبل أن يتولى رئاسته من عام 2007 وحتى 2011.
أثار أولاد رفسنجاني الكثير من الجدل في إيران، كانت فائزة نائبة في البرلمان وفي الوقت عينه أول رئيس تحرير لصحيفة "زن" أو المرأة النسائية، وكذلك فهي كانت فاعلة على الصعيدين الرياضي والإجتماعي، كذلك فقد ارتبط إسم ولديه محسن ومهدي بصفقات تجارية، وهو ما أدى إلى دخولهم السجن في مراحل لاحقة. فائزة أيضاً دخلت السجن وهي شاركت في العام 2009 في الأحداث التي وقعت بعد الإنتخابات الرئاسية، الأمر الذي فاقم من النظرة السلبية لعائلة رفسنجاني من قبل المحافظين بشكل عام. كذلك فإن رفسنجاني نفسه كان محلاً لإثارة الجدل، كونه صاحب إمبراطورية إقتصادية ضخمة ولديه قدرة تأثير كبيرة على من يوصفون بلوبي هاشمي الإقتصادي في البلاد.
كانت سنوات العقد الأول في الألفية الثانية ذات وجوه عديدة لهاشمي. حاول الرئيس السابق العودة إلى شارع باستور مقر الرئاسة الإيرانية، لكنه خسر بشكل مفاجئ أمام مرشح مغمور حينذاك يدعى محمود أحمدي نجاد. رفع الأخير كل الأسلحة الممكنة في وجه رفسنجاني متهماً إياه بالفساد واستغلال السلطة والقوة.
شكلت سنوات أحمدي نجاد أقسى ما يمكن أن يمر على هاشمي الذي بقي مصراً على المواجهة وإن بشكل غير مباشر. إنتهت فترة أحمدي نجاد الأولى وجاء موعد الإنتخابات في حزيران 2009 وكانت النتيجة أن فاز، لكن فوزه كان محل تشكيك للقوى المنضوية تحت مظلة الإصلاحيين وهو الأمر الذي تطور إلى احتجاجات وبدا إلى حد كبير أن رفسنجاني كان متعاطفاً معها، وهو الأمر الذي أثّر بشكل كبير على علاقته بخامنئي في السنوات اللاحقة.
حاول هاشمي مجدداً الترشح للرئاسة عام 2013 لكن مجلس صيانة الدستور رفض طلبه بسبب سنه، لكن هناك من يقول إن الرئيس الأسبق تقدم بترشيحه لقطع الطريق أمام مرشح أحمدي نجاد إسفنديار رحيم مشائي من الدخول إلى الانتخابات. وقتها كان يبلغ من العمر 79 عاماً. دعم رفسنجاني تلميذه حسن روحاني وابنه الروحي للوصول إلى الرئاسة وهو ما تمّ بالفعل.
سيطر على وزارات حكومة الأمل التي يرأسها اليوم روحاني وجوه معروفة بعملها سابقاً مع رفسنجاني، وهو ما دفع البعض للقول إن الحكومة لرفسنجاني والرئاسة لروحاني. كانت هذه مقدمة لترشحه على رأس لائحة شبه مكتملة لانتخابات مجلس الخبراء وفوزه بكل مقاعد طهران إلا واحداً في العام 2016 وهو في 81.
عام فقط على رفعه شارة الفوز وضع هاشمي رأسه على الوسادة للمرة الأخيرة. أتعبته السياسة؟ ربما، لكنه هو أيضاً كان متعباً لها، مستفزاً، مستنزفاً. سيتوقف مسلسل المذكرات عن الصدور، بعد اليوم كل الذكريات ستروى على ألسن أخرى، سيكون هو في صيغة الغائب، ما أصعب أن تكون بطلاً لقصتك في صيغة الغائب.

الثلاثاء، 15 ديسمبر، 2015

إيران والعرب والتمنيات

إيران، الجمهورية الإسلامية، وقبل ذلك الإمبراطورية البهلوية والسلالات القجارية والزندية والأفشارية والصفوية والساسانية، واللائحة تطول إلى ما قبل ولادة المسيح بقرون، هذه البلاد بلاد قائمة على أسس دولة عميقة يصعب الوصول إلى جذرها الأول ولذا فهي بغض النظر عن النظام الذي يحكمها، أو شكل الحكم المتبع فيها، تعيش حالة المؤسسات بكل تفاصيلها، سواء في السياسة أو الاقتصاد أو الأمن وهذا ما يفتح الباب للحديث عن الخطأ الثاني.

إيران بلاد قائمة على أسس دولة عميقة يصعب الوصول إلى جذرها الأول

إيران تبحث عن مرشد جديد، هكذا كتبت صحف ومواقع عربية بعد وقت قليل من مقابلة رئيس هيئة تشخيص مصلحة النظام هاشمي رفسنجاني مع وكالة الأنباء العمالية "إيلنا". بل إن وسيلة إعلام ذهبت أبعد من ذلك بكثير وكتبت "إيران تدرس استبدال المرشد الأعلى" وهو ما نقلته عنها مجموعة كبيرة من المواقع والقنوات الأخرى. لا شك في أن الخبر جاذب، وهو لمن يرون في إيران خصماً أو عدواً، محل احتفال. هؤلاء يبنون على المعطى الصحافي وينطلقون في رسم سيناريوهات وكتابة تحليلات ورسم سياسات، بينما في طهران ابتسامات صفراء وترداد مقولة لنابليون بونابرت الشهيرة "لا تقاطع خصمك بينما يرتكب الأخطاء".

الخطأ الأول الذي يرتكبه هؤلاء هو القياس مع بلدانهم حيث لا يجوز القياس، بإجماع الخبراء. إيران، الجمهورية الإسلامية، و قبل ذلك الإمبراطورية البهلوية والسلالات القجارية والزندية والأفشارية والصفوية والساسانية، واللائحة تطول إلى ما قبل ولادة المسيح بقرون، هذه البلاد بغض النظر عن تقييم كل طرف أو شخص لها، هي بلاد قائمة على أسس دولة عميقة يصعب الوصول إلى جذرها الأول ولذا فهي بغض النظر عن النظام الذي يحكمها، أو شكل الحكم المتبع فيها، تعيش حالة المؤسسات بكل تفاصيلها، سواء في السياسة أو الاقتصاد أو الأمن وهذا ما يفتح الباب للحديث عن الخطأ الثاني.

في إيران مجالس متعددة كل منها منوطة بمسؤولية محددة، مجلس الشورى الإسلامي ومجلس تشخيص مصلحة النظام ومجلس صيانة الدستور، وأخيراً وليس آخر مجلس خبراء القيادة، وهنا بيت القصيد. مجلس الخبراء هو المسؤول عن انتخاب المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهو اليوم على عتبة انتخابات ستجري خلال شباط/ فبراير 2016 لاختيار الممثلين الجدد فيه الذين من المفترض أن يكونوا بمرتبة آيات الله، أي رجال دين من المستوى الأول، هؤلاء مهمتهم إلى جانب اختيار المرشد أو مجلس القيادة، بحسب الدستور الإيراني، إجراء الدراسات المطلوبة من أجل التصدي لأي طارئ، وهذه الدراسات تتضمن بشكل دوري تحديث أسماء من يملكون الأهلية لتولي منصب القيادة في حال شغوره. في هذه الحالة فإن الخبراء مكلفون بالقيام بأسرع وقت بتعيين المرشد الجديد وإعلان ذلك وإلى أن يتم الأمر، يُشكَّل مجلس شورى مؤلف من رئيس الجمهورية، ورئيس السلطة القضائية، وأحد فقهاء مجلس صيانة الدستور يختاره مجمع تشخيص مصلحة النظام، ويتحمل هذا المجلس جميع مسؤوليات القيادة بشكل مؤقت.

الكلام هنا علمي، والكلام الذي خرج به رفسنجاني، الذي هو عضو في مجلس الخبراء، جاء في إطار شرح آليات عمل المجلس وخططه لا في الإطار الذي تمنى البعض أن يكون فيه. ومما قاله "طبعاً هم يعدّون ويبحثون وهناك مجموعة تدرس ملفات الأشخاص أصحاب الكفاءة ممن بالإمكان طرحهم على التصويت إذا حصل أي طارئ مستقبلاً، هذه هي وظيفة المجلس". لم يكن إذاً كلام الرئيس الإيراني الأسبق خارج السياق الطبيعي في بلد يكره المفاجآت، ويسعى في إطار مؤسساته لضمان استقرار الدولة بغض النظر عن أيِّ تغييرات، الأهم أنَّ في بلد كإيران يناقش موضوع كهذا في العلن وعلى صفحات المواقع والصحف، وقد يزعج البعض ويسعد البعض الآخر، لكنه مهما كان يبقى بعيداً جداً، وجدا من تحليلات متمناة.

ينطبق الأمر ذاته على ملفات أخرى مرتبطة بإيران وطريقة معالجتها في وسائل الإعلام العربية والغربية. وهنا يبرز ملف اللواء الإيراني قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري، الذي وحتى اللحظة وبحسب "تقارير صحافية" بعضها معادٍ لإيران وبعضها الآخر موال لها، أًصيب وقتل عشرات المرات خلال الأعوام الثلاثة الماضية، حيناً في سوريا وحيناً آخر في العراق، بل وشوهد في اليمن وفي الوقت نفسه كان على متن بارجة في عرض البحر المتوسط. آخر صيحات الأخبار المتعلقة بسليماني كلام في البدء عن إصابته، ثم تأثير الإصابة على وجود القوات الإيرانية في سوريا، ثم ربط الإصابة المفترضة بتعيين اللواء غلام حسين غيب بور بديلاً لقائد لواء الإمام الحسين اللواء حسين همداني، الذي قضى في سوريا قبل أشهر قليلة، بينما الرجل بحسب مصادر مطلعة على رأس عمله حيثما هو، في إيران، أو العراق، أو سوريا، أو ربما على متن طائرة تقله عائداً من موسكو.

الواقع أن حادثة اللواء همداني وإعلان سقوطه من قبل الإيرانيين فوراً يمكن الاستفادة منها لفهم سياسة الإيرانيين في الإعلان عن أخبار رجالهم على الجبهة، هم لا ينتظرون أحداً ليعلن عنهم، يعلنون أي خبر يصل إليهم فور تبلغ أسر أصحاب العلاقة هذه الأخبار، بل إن من المفيد فهم تفاعل الإيرانيين من عائلات العسكريين الذين يذهبون إلى سوريا، سواء أعجبنا ذلك أم لم يعجبنا، هم لا يعتقدون أنهم هناك للدفاع عن أحد، إنما للدفاع عن أنفسهم، لذا فإن تشييعات الجنود الذين قضوا في سوريا لا تختلف عن تلك التي كانت تجري لأولئك الذين سقطوا خلال فترة الثمانينيات في الحرب الإيرانية العراقية، بل ربما نزيد من الشعر بيتاً، قبل أسبوعين أعلنت قوات التعبئة الإيرانية (البسيج) ان المتطوّعين (عمر ملازهي) و (سلمان برجسته) وهما من المسلمين السنة في إيران "استشهدا خلال دفاعهما عن الإسلام المحمدي الأصيل وخط المقاومة على أرض سوريا".

السبت، 28 نوفمبر، 2015

هدية بوتين لخامنئي: مصحف عثمان من قرطبة إلى طهران



حمل بوتين هديته الثمينة بصندوقها الأخضر التاريخي من مطار مهر آباد مباشرة إلى بيت المرشد وسط طهران ومعها حمل رسائل في أكثر من اتجاه.. رسائل لدول إسلامية مفادها أن مدخل روسيا إلى العالم الإسلامي سيكون عبر بوابة طهران.
منذ قرون وهذه النسخة ينظر إليها واحدة من النسخ الأصلية للقرآن العثماني.
منذ قرون وهذه النسخة ينظر إليها واحدة من النسخ الأصلية للقرآن العثماني.
لم تكن هدية عادية تلك التي قدمها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للمرشد الإيراني آية الله علي خامنئي. النسخة طبق الأصل عن القرآن العثماني، ينسب إلى الخليفة الإسلامي الراشد الثالث، عثمان بن عفان، ويحمل آثاراً من دمائه على حد قول أحد أهم الباحثين العالميين في النسخ القرآنية القديمة، وهي نسخة تعود في التاريخ إلى زمن الإسلام الأول.

 دفعتني الحشرية للبحث عن تاريخ هذه المخطوطة، وبعد البحث ظهر أمامي إسم د. إيفيم رزفان، وهو بروفيسور روسي متخصص في الدراسات القرآنية ونائب مدير متحف الإنثروبولوجيا والإنثوغرافيا في بطرسبرغ في روسيا، وهو كتب سابقاً عن هذه النسخة النادرة من القرآن. أرسلت أسأله عن تاريخ هذه الهدية فرد عليّ عبر البريد الإلكتروني بعد دقائق قليلة وكتب ما يلي:
"منذ أواخر القرن الخامس عشر، تعتبر هذه النسخة القرآنية، واحدة من الأهم في العالم، كانت محفوظة في مجمع عشقيا الصوفي في قرية صغيرة تدعى كاتالانغار والتي تقع 100 كلم جنوبي سمرقند، ثاني أكبر مدن أوزبكستان. منذ قرون وهذه النسخة ينظر إليها كواحدة من النسخ الأصلية للقرآن العثماني، المكتوب بيد الخليفة الراشد الثالث وعليها قطرات من دمه".

أحالني البروفيسور رزفان، وتعريب إسمه رضوان، إلى دارسة كان كتبها في العام 2008 عن هذه النسخة وتاريخها، خريطةٌ حركتها منذ يوم خروجها من الحجاز بالقدر المتيقن إلى محل استقرارها في المتحف في روسيا في الزمن الحديث. وفي هذا الإطار كتب لي في رسالته: "تاريخ هذه النسخة يعود إلى 12 قرناً مضت وهو يختزل قصص أسر حاكمة وأمم ومدن وشعوب. هو عصارة الرواية التاريخية للحضارة الإسلامية، منذ انبثاقها في القرن السابع الميلادي في الجزيرة العربية، مروراً بمرحلة الإنتصارات والفتوحات الإسلامية، وصولا إلى يومنا هذا وقدرة المسلمين على الصمود والبقاء رغم النظام الشيوعي في الإتحاد السوفياتي السابق".

في دراسته المعنونة "القرآن والسلطة في روسيا" يقول رزفان إن معظم النسخ العثمانية تعرضت للتلف باستثناء القليل، ومن بينها هذه التي انتقلت إلى قرطبة في العام 870 ميلادي الموافق 256 للهجرة، ثم إختفت قبل أن تظهر في العام 1243 ميلادي لدى الظاهر بيبرس في مصر الذي أرسلها هدية إلى زعيم القبيلة الذهبية المغولي الذي اعتنق الإسلام وأعلن مبايعته للدولة العباسية وهو نفسه الذي تصدى لهولاكو وهزمه بالتعاون مع المماليك. بعد قرن ونصف هاجم تيمورلنك مغول القبيلة الذهبية وهزمهم وأخذ المصحف التاريخي رمز القوة وأتى به إلى سمرقند. لكن رواية أخرى تناقض رواية رزفان وهي رواية إبن نصير في كتاب "فضائل القرآن" والتي يقول فيها إن القرآن الذي كان في سمرقند جاء به تيمورلنك من البصرة، إلا أن الاثنان لا يختلفان في أن الكتاب هو من المصاحف الاولى والأكثر قدماً وذات أهمية تاريخية كبرى.
في وصفه للمصحف التاريخي يقول د. رزفان إنه "مكتوب على سبع وتسعين ورقة رق (وهو جلد الضأن الذي يعالج بطرق خاصة تسمح في ما بعد بالكتابة عليه) بالخط الحجازي تعود إلى القرن الأول الهجري، والأوراق موزعة على سان بطرسبرغ وكاتالانغار وبخارى وطشقند، تحتوي تقريبا على نصف النص القرآني".
عند هذا الحد، نضع نقطة على سطر التاريخ ونبدأ بقراءة الحاضر والمستقبل. لماذا جاء فلاديمير بوتين بنسخة من هذا الكنز الإسلامي وقدمها للمرشد الإيراني آية الله علي خامنئي؟
خلال السنوات الماضية لم تصل العلاقات الروسية الإيرانية إلى مستوى التحالف. إن نظرة تاريخية للعلاقة منذ انتصار الثورة الإسلامية وحتى سقوط الإتحاد السوفياتي كمرحلة أولى، ومنذ قيام روسيا الإتحادية وحتى الآن تشير إلى أن ما بين البلدين مصالح مشتركة تفرضها التحديات المشتركة والخصومات المشتركة. تعززت هذه المصالح في المفاوضات حول مشروع إيران النووي، وفي خضم المفاوضات ظهرت أزمة سوريا، وفي أوج الأزمة دخل الإيراني ثم الروسي على الخط، ليخرجا معاً من دائرة المصالح المشتركة فقط إلى مساحة الخندق الواحد.
في معركة الخندق الواحد ظهرت تباينات كبيرة إلى العلن، البعض عللها باختلاف الرؤى، آخرون قالوا إنها تعكس أهدافا مختلفة. كذلك هناك من لخص المشكلة بتصادم المفردات، دون أن ننفي حقا وجود هواجس بين البلدين تجعلهما في موقع السؤال عن كل خطوة يقوم بها الآخر.

هذه الهواجس حاول من يقفون في الخندق الآخر المناوئ للفريق الذي يضم إيران وروسيا الاستفادة منها للضرب تحت الحزام وفوقه مركزين على مستقبل هذا التعاون. لذا لم تبق صحيفة أو محلل أو سياسي إلا وتحدث وتوقع وحلل في مآلات التصادم المتوقع بين حلفاء سوريا على أرضها بسببها.

حمل بوتين هديته الثمينة بصندوقها الأخضر التاريخي من مطار مهر آباد مباشرة إلى خونه رهبر (بيت المرشد) وسط طهران ومعها حمل رسائل في أكثر من اتجاه، رسائل لدول إسلامية مفادها أن مدخل روسيا إلى العالم الإسلامي سيكون عبر بوابة طهران، وأن إيران وروسيا قبل قمة المصحف، ليسا كما بعدها.. ربما هناك المزيد من الرسائل، لكن هذا ما أمكن التيقن منه حتى اللحظة. 

Al-Mayadeeen Feeds