السبت، 14 أغسطس، 2010

قصف دم ودموع

أفقنا صباحا على خبر قصف «المنار» وهدم مبناها بشكل كامل، لكن «المنار» كانت مازالت تبث ولو بجودة أقل من المعتاد.
ذهبنا إلى الحوش بالقرب من صور، حيث بدأنا بالحديث عن المرحلة المقبلة، وبعد ذلك انطلق كل منا في عمله.

باتجاه برج رحال أقلع المصور حسن برجي وأنا إلى جانبه، قيل لنا إن سيارة استُهدفت بالقرب من المخيم، فقصدنا المكان لكننا وصلنا متأخرين.
في طريق العودة جاءني اتصال من زميلي المراسل عبد الله شمس الدين أبلغني أن مبنىً استهدف بالقرب من مستشفى جبل عامل، المستشفى الميداني الأهم في منطقة صور.
كان المبنى لا يبعد عن المستشفى سوى أمتار قليلة، ورجال الدفاع المدني يحاولون إنقاذ النساء والأطفال فيه.
القصف لم يدمر المبنى لكنه صدعه بشكل كبير، بالنسبة لي كان مهماً جداً أن أرصد عملية الإنقاذ وردود فعل الناجين، تقدم حسن باتجاه المبنى فيما كنت أقف على بعد عشرين متراً فقط منه بالقرب من حاوية النفايات.
شيء أحمر يسقط من السماء، هذا ما رأيته بأم عيني، كنت مشدوهاً، أجزاء من ثانية وأصبحت مصدوماً مرعوباً، أبحث عن النجاة في خطوات رجلي.
كنت أركض كما لم أركض من قبل وأصرخ بأعلى صوتي، «يا حسن يا حسن يا حسن».
كنت أبحث عن زميلي حسن الذي اقترب من المبنى الذي استحال أثراً بعد عين، وقتل كل من فيه من آل علوية.
كانت إصابة حسن في كتفه الأيسر طفيفة، لكني اتصلت بصديق في الصليب الأحمر ليأتي ويطمئنا.
جاء سامي وربط لحسن كتفه، ثم أعطانا ضمادة للاحتياط وذهب كما أتى دون أن يشعر به أحد.
كنا في منزل أهلي وكان جميع من في المبنى يجلسون في الملجأ تحت الأرض، وكنا نتفادى أن نلتقي بأحد لكي لا نثير التساؤلات لا سيما واننا من قناة تلفزيونية مستهدفة في الحرب.
كانت والدتي بين الفينة والأخرى تصعد إلى المنزل للاطمئنان علينا، وقامت في آخر مرة صعدت فيها بإنزال الستائر المعدنية وشقت الباب الزجاجي الذي يفصل مكان جلوسنا عن الشرفة لتجنب تحطم الزجاج في حال حدوث أي انفجار.
كانت الساعة تقترب من الخامسة بعد الظهر، جلست والزميلين علي قميحة وحسن برجي بانتظار كلمة جديدة للسيد، نزلت الوالدة إلى الملجأ ومعها أخي كريم، فيما أخي نور في الشارع مع شبان الحي.
لم يكن الحي الذي نسكن فيه بأي شكل من الأشكال يحوي أية مواقع عسكرية، لا بل أنه كان ذا طابع سياحي وفيه مراكز إنسانية بينها مركز الدفاع المدني، الذي لجأ إليه سكان الأحياء المحيطة لأنهم اعتبروه أكثر الأماكن أمناً، لكن وفي أجزاء من الثانية تحول هذا المكان إلى ساحة حرب مليئة بالجثث والدماء.
كانت الأشياء في غرفة الجلوس تتطاير أمامنا بشكل هستيري، لعل التشبيه الأكثر قرباً هو التسونامي. لعلي لم أسمع شيئاً لكني شعرت بشيء يحملني ويرميني ويدفعني للركض باتجاه الأسفل، وكلما تخطيت طابقاً كان الدخان يتزايد.
في البداية ظننت ان القصف طال المبنى الذي كنا فيه، كان كل همي أن أطمئن على والدتي وإخوتي ولم يكن في بالي أي تصور لوضعهم.
كان صوت العويل والصراخ يصمّ أذني، هذه تصرخ لوالدها، وذاك لأبنائه وأنا أبحث عن أمي وأخوتي.
رأيت والدتي وكانت تحاول تهدئة النساء من حولها، طمأنتني عنها وعن إخوتي، وتركتها لأخرج إلى الشارع حيث المذبحة بكل ما للكلمة من معنى.
كنت على مدى الأيام السابقة أغطي المجازر بعد وقوعها، لكن هذه المرة أنا في قلب المجزرة والقتلى جيراني.
أحدهم كان يصرخ «إبني بلا رأس يا عالم» وأخرى تبكي والداً لا تعرف عنه شيئاً، الكل كان يجري في كل اتجاه، والبعض كان تحت تأثير الصدمة إلى حد الجمود وعدم الحركة.
وفي قلب عاصفة الدماء تلك ووسط مشاعر التفجع والحسرة، كان أبو سامر زيدان يفتح كوة من الأمل في جدار الأسى حيث أعاد الأمل لعائلته بلقائه بعدما ظنوا أنه قضى في القصف الذي طال مبنى الدفاع المدني، خاصة أنه كان في الطابق الثامن من المبنى الذي قصف بصاروخين.
الصاروخ الأول استهدف سطح المبنى المؤلف من أربعة عشر طابقاً أما الثاني فكان كفيلاً بتدميره كلياً لو لم يصب عن طريق الخطأ شاحنة مكشوفة ركنت قبل لحظات.
سبعة طوابق فقط بقيت وغرفة على الطابق الثامن كان فيها أبو سامي الذي راح يلوح لنا لإنقاذه، حاول من كان حاضراً من طواقم الإسعاف إنقاذه ولم يفلحوا في الوصول إليه بسبب انهيار السلالم في المبنى، لكن شاباً من شبان الحي تشجع وصعد إلى المبنى المجاور لمبنى الدفاع المدني وأنقذ أبو سامر وأعاده إلى أحضان عائلته في مشهد كان يتابعه من إفريقيا إبنه سامر بتأثر شديد على شاشة التلفاز.
بتنا الليلة تلك في الملجأ، وقصدت أن أبقى مع والدتي وإخوتي وعملت على إقناعهم بترك صور باتجاه الجبل، لكن والدتي كانت ترفض باستمرار إلى أن أقنعها أخي بضرورة حصول ذلك.
كانت البكاء الصامت سيد الموقف في تلك الليلة، فما من عائلة إلا وفقدت أحداً في تلك الغارة التي خلفت أكثر من ثلاثين ضحية.
في الصباح كان الجميع يستعد للرحيل، لم يبق في حينا سوى عائلة أو إثنتين ممن لم تسمح لهم الظروف المادية بالنزوح، كانت والدتي تحاول إقناعي بالنزول معها، لم يكن أمامي سوى طمأنتها بأني سألحق بها بأسرع وقت ممكن، لكنها في قرارة نفسها متأكدة أني لن أترك صور.

Al-Mayadeeen Feeds