الثلاثاء، 15 ديسمبر، 2015

إيران والعرب والتمنيات

إيران، الجمهورية الإسلامية، وقبل ذلك الإمبراطورية البهلوية والسلالات القجارية والزندية والأفشارية والصفوية والساسانية، واللائحة تطول إلى ما قبل ولادة المسيح بقرون، هذه البلاد بلاد قائمة على أسس دولة عميقة يصعب الوصول إلى جذرها الأول ولذا فهي بغض النظر عن النظام الذي يحكمها، أو شكل الحكم المتبع فيها، تعيش حالة المؤسسات بكل تفاصيلها، سواء في السياسة أو الاقتصاد أو الأمن وهذا ما يفتح الباب للحديث عن الخطأ الثاني.

إيران بلاد قائمة على أسس دولة عميقة يصعب الوصول إلى جذرها الأول

إيران تبحث عن مرشد جديد، هكذا كتبت صحف ومواقع عربية بعد وقت قليل من مقابلة رئيس هيئة تشخيص مصلحة النظام هاشمي رفسنجاني مع وكالة الأنباء العمالية "إيلنا". بل إن وسيلة إعلام ذهبت أبعد من ذلك بكثير وكتبت "إيران تدرس استبدال المرشد الأعلى" وهو ما نقلته عنها مجموعة كبيرة من المواقع والقنوات الأخرى. لا شك في أن الخبر جاذب، وهو لمن يرون في إيران خصماً أو عدواً، محل احتفال. هؤلاء يبنون على المعطى الصحافي وينطلقون في رسم سيناريوهات وكتابة تحليلات ورسم سياسات، بينما في طهران ابتسامات صفراء وترداد مقولة لنابليون بونابرت الشهيرة "لا تقاطع خصمك بينما يرتكب الأخطاء".

الخطأ الأول الذي يرتكبه هؤلاء هو القياس مع بلدانهم حيث لا يجوز القياس، بإجماع الخبراء. إيران، الجمهورية الإسلامية، و قبل ذلك الإمبراطورية البهلوية والسلالات القجارية والزندية والأفشارية والصفوية والساسانية، واللائحة تطول إلى ما قبل ولادة المسيح بقرون، هذه البلاد بغض النظر عن تقييم كل طرف أو شخص لها، هي بلاد قائمة على أسس دولة عميقة يصعب الوصول إلى جذرها الأول ولذا فهي بغض النظر عن النظام الذي يحكمها، أو شكل الحكم المتبع فيها، تعيش حالة المؤسسات بكل تفاصيلها، سواء في السياسة أو الاقتصاد أو الأمن وهذا ما يفتح الباب للحديث عن الخطأ الثاني.

في إيران مجالس متعددة كل منها منوطة بمسؤولية محددة، مجلس الشورى الإسلامي ومجلس تشخيص مصلحة النظام ومجلس صيانة الدستور، وأخيراً وليس آخر مجلس خبراء القيادة، وهنا بيت القصيد. مجلس الخبراء هو المسؤول عن انتخاب المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهو اليوم على عتبة انتخابات ستجري خلال شباط/ فبراير 2016 لاختيار الممثلين الجدد فيه الذين من المفترض أن يكونوا بمرتبة آيات الله، أي رجال دين من المستوى الأول، هؤلاء مهمتهم إلى جانب اختيار المرشد أو مجلس القيادة، بحسب الدستور الإيراني، إجراء الدراسات المطلوبة من أجل التصدي لأي طارئ، وهذه الدراسات تتضمن بشكل دوري تحديث أسماء من يملكون الأهلية لتولي منصب القيادة في حال شغوره. في هذه الحالة فإن الخبراء مكلفون بالقيام بأسرع وقت بتعيين المرشد الجديد وإعلان ذلك وإلى أن يتم الأمر، يُشكَّل مجلس شورى مؤلف من رئيس الجمهورية، ورئيس السلطة القضائية، وأحد فقهاء مجلس صيانة الدستور يختاره مجمع تشخيص مصلحة النظام، ويتحمل هذا المجلس جميع مسؤوليات القيادة بشكل مؤقت.

الكلام هنا علمي، والكلام الذي خرج به رفسنجاني، الذي هو عضو في مجلس الخبراء، جاء في إطار شرح آليات عمل المجلس وخططه لا في الإطار الذي تمنى البعض أن يكون فيه. ومما قاله "طبعاً هم يعدّون ويبحثون وهناك مجموعة تدرس ملفات الأشخاص أصحاب الكفاءة ممن بالإمكان طرحهم على التصويت إذا حصل أي طارئ مستقبلاً، هذه هي وظيفة المجلس". لم يكن إذاً كلام الرئيس الإيراني الأسبق خارج السياق الطبيعي في بلد يكره المفاجآت، ويسعى في إطار مؤسساته لضمان استقرار الدولة بغض النظر عن أيِّ تغييرات، الأهم أنَّ في بلد كإيران يناقش موضوع كهذا في العلن وعلى صفحات المواقع والصحف، وقد يزعج البعض ويسعد البعض الآخر، لكنه مهما كان يبقى بعيداً جداً، وجدا من تحليلات متمناة.

ينطبق الأمر ذاته على ملفات أخرى مرتبطة بإيران وطريقة معالجتها في وسائل الإعلام العربية والغربية. وهنا يبرز ملف اللواء الإيراني قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري، الذي وحتى اللحظة وبحسب "تقارير صحافية" بعضها معادٍ لإيران وبعضها الآخر موال لها، أًصيب وقتل عشرات المرات خلال الأعوام الثلاثة الماضية، حيناً في سوريا وحيناً آخر في العراق، بل وشوهد في اليمن وفي الوقت نفسه كان على متن بارجة في عرض البحر المتوسط. آخر صيحات الأخبار المتعلقة بسليماني كلام في البدء عن إصابته، ثم تأثير الإصابة على وجود القوات الإيرانية في سوريا، ثم ربط الإصابة المفترضة بتعيين اللواء غلام حسين غيب بور بديلاً لقائد لواء الإمام الحسين اللواء حسين همداني، الذي قضى في سوريا قبل أشهر قليلة، بينما الرجل بحسب مصادر مطلعة على رأس عمله حيثما هو، في إيران، أو العراق، أو سوريا، أو ربما على متن طائرة تقله عائداً من موسكو.

الواقع أن حادثة اللواء همداني وإعلان سقوطه من قبل الإيرانيين فوراً يمكن الاستفادة منها لفهم سياسة الإيرانيين في الإعلان عن أخبار رجالهم على الجبهة، هم لا ينتظرون أحداً ليعلن عنهم، يعلنون أي خبر يصل إليهم فور تبلغ أسر أصحاب العلاقة هذه الأخبار، بل إن من المفيد فهم تفاعل الإيرانيين من عائلات العسكريين الذين يذهبون إلى سوريا، سواء أعجبنا ذلك أم لم يعجبنا، هم لا يعتقدون أنهم هناك للدفاع عن أحد، إنما للدفاع عن أنفسهم، لذا فإن تشييعات الجنود الذين قضوا في سوريا لا تختلف عن تلك التي كانت تجري لأولئك الذين سقطوا خلال فترة الثمانينيات في الحرب الإيرانية العراقية، بل ربما نزيد من الشعر بيتاً، قبل أسبوعين أعلنت قوات التعبئة الإيرانية (البسيج) ان المتطوّعين (عمر ملازهي) و (سلمان برجسته) وهما من المسلمين السنة في إيران "استشهدا خلال دفاعهما عن الإسلام المحمدي الأصيل وخط المقاومة على أرض سوريا".

السبت، 28 نوفمبر، 2015

هدية بوتين لخامنئي: مصحف عثمان من قرطبة إلى طهران



حمل بوتين هديته الثمينة بصندوقها الأخضر التاريخي من مطار مهر آباد مباشرة إلى بيت المرشد وسط طهران ومعها حمل رسائل في أكثر من اتجاه.. رسائل لدول إسلامية مفادها أن مدخل روسيا إلى العالم الإسلامي سيكون عبر بوابة طهران.
منذ قرون وهذه النسخة ينظر إليها واحدة من النسخ الأصلية للقرآن العثماني.
منذ قرون وهذه النسخة ينظر إليها واحدة من النسخ الأصلية للقرآن العثماني.
لم تكن هدية عادية تلك التي قدمها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للمرشد الإيراني آية الله علي خامنئي. النسخة طبق الأصل عن القرآن العثماني، ينسب إلى الخليفة الإسلامي الراشد الثالث، عثمان بن عفان، ويحمل آثاراً من دمائه على حد قول أحد أهم الباحثين العالميين في النسخ القرآنية القديمة، وهي نسخة تعود في التاريخ إلى زمن الإسلام الأول.

 دفعتني الحشرية للبحث عن تاريخ هذه المخطوطة، وبعد البحث ظهر أمامي إسم د. إيفيم رزفان، وهو بروفيسور روسي متخصص في الدراسات القرآنية ونائب مدير متحف الإنثروبولوجيا والإنثوغرافيا في بطرسبرغ في روسيا، وهو كتب سابقاً عن هذه النسخة النادرة من القرآن. أرسلت أسأله عن تاريخ هذه الهدية فرد عليّ عبر البريد الإلكتروني بعد دقائق قليلة وكتب ما يلي:
"منذ أواخر القرن الخامس عشر، تعتبر هذه النسخة القرآنية، واحدة من الأهم في العالم، كانت محفوظة في مجمع عشقيا الصوفي في قرية صغيرة تدعى كاتالانغار والتي تقع 100 كلم جنوبي سمرقند، ثاني أكبر مدن أوزبكستان. منذ قرون وهذه النسخة ينظر إليها كواحدة من النسخ الأصلية للقرآن العثماني، المكتوب بيد الخليفة الراشد الثالث وعليها قطرات من دمه".

أحالني البروفيسور رزفان، وتعريب إسمه رضوان، إلى دارسة كان كتبها في العام 2008 عن هذه النسخة وتاريخها، خريطةٌ حركتها منذ يوم خروجها من الحجاز بالقدر المتيقن إلى محل استقرارها في المتحف في روسيا في الزمن الحديث. وفي هذا الإطار كتب لي في رسالته: "تاريخ هذه النسخة يعود إلى 12 قرناً مضت وهو يختزل قصص أسر حاكمة وأمم ومدن وشعوب. هو عصارة الرواية التاريخية للحضارة الإسلامية، منذ انبثاقها في القرن السابع الميلادي في الجزيرة العربية، مروراً بمرحلة الإنتصارات والفتوحات الإسلامية، وصولا إلى يومنا هذا وقدرة المسلمين على الصمود والبقاء رغم النظام الشيوعي في الإتحاد السوفياتي السابق".

في دراسته المعنونة "القرآن والسلطة في روسيا" يقول رزفان إن معظم النسخ العثمانية تعرضت للتلف باستثناء القليل، ومن بينها هذه التي انتقلت إلى قرطبة في العام 870 ميلادي الموافق 256 للهجرة، ثم إختفت قبل أن تظهر في العام 1243 ميلادي لدى الظاهر بيبرس في مصر الذي أرسلها هدية إلى زعيم القبيلة الذهبية المغولي الذي اعتنق الإسلام وأعلن مبايعته للدولة العباسية وهو نفسه الذي تصدى لهولاكو وهزمه بالتعاون مع المماليك. بعد قرن ونصف هاجم تيمورلنك مغول القبيلة الذهبية وهزمهم وأخذ المصحف التاريخي رمز القوة وأتى به إلى سمرقند. لكن رواية أخرى تناقض رواية رزفان وهي رواية إبن نصير في كتاب "فضائل القرآن" والتي يقول فيها إن القرآن الذي كان في سمرقند جاء به تيمورلنك من البصرة، إلا أن الاثنان لا يختلفان في أن الكتاب هو من المصاحف الاولى والأكثر قدماً وذات أهمية تاريخية كبرى.
في وصفه للمصحف التاريخي يقول د. رزفان إنه "مكتوب على سبع وتسعين ورقة رق (وهو جلد الضأن الذي يعالج بطرق خاصة تسمح في ما بعد بالكتابة عليه) بالخط الحجازي تعود إلى القرن الأول الهجري، والأوراق موزعة على سان بطرسبرغ وكاتالانغار وبخارى وطشقند، تحتوي تقريبا على نصف النص القرآني".
عند هذا الحد، نضع نقطة على سطر التاريخ ونبدأ بقراءة الحاضر والمستقبل. لماذا جاء فلاديمير بوتين بنسخة من هذا الكنز الإسلامي وقدمها للمرشد الإيراني آية الله علي خامنئي؟
خلال السنوات الماضية لم تصل العلاقات الروسية الإيرانية إلى مستوى التحالف. إن نظرة تاريخية للعلاقة منذ انتصار الثورة الإسلامية وحتى سقوط الإتحاد السوفياتي كمرحلة أولى، ومنذ قيام روسيا الإتحادية وحتى الآن تشير إلى أن ما بين البلدين مصالح مشتركة تفرضها التحديات المشتركة والخصومات المشتركة. تعززت هذه المصالح في المفاوضات حول مشروع إيران النووي، وفي خضم المفاوضات ظهرت أزمة سوريا، وفي أوج الأزمة دخل الإيراني ثم الروسي على الخط، ليخرجا معاً من دائرة المصالح المشتركة فقط إلى مساحة الخندق الواحد.
في معركة الخندق الواحد ظهرت تباينات كبيرة إلى العلن، البعض عللها باختلاف الرؤى، آخرون قالوا إنها تعكس أهدافا مختلفة. كذلك هناك من لخص المشكلة بتصادم المفردات، دون أن ننفي حقا وجود هواجس بين البلدين تجعلهما في موقع السؤال عن كل خطوة يقوم بها الآخر.

هذه الهواجس حاول من يقفون في الخندق الآخر المناوئ للفريق الذي يضم إيران وروسيا الاستفادة منها للضرب تحت الحزام وفوقه مركزين على مستقبل هذا التعاون. لذا لم تبق صحيفة أو محلل أو سياسي إلا وتحدث وتوقع وحلل في مآلات التصادم المتوقع بين حلفاء سوريا على أرضها بسببها.

حمل بوتين هديته الثمينة بصندوقها الأخضر التاريخي من مطار مهر آباد مباشرة إلى خونه رهبر (بيت المرشد) وسط طهران ومعها حمل رسائل في أكثر من اتجاه، رسائل لدول إسلامية مفادها أن مدخل روسيا إلى العالم الإسلامي سيكون عبر بوابة طهران، وأن إيران وروسيا قبل قمة المصحف، ليسا كما بعدها.. ربما هناك المزيد من الرسائل، لكن هذا ما أمكن التيقن منه حتى اللحظة. 

الأربعاء، 14 أكتوبر، 2015

عن إيران...جمهورية الثورة ودولة الجمهورية... بقلم علي هاشم @alihashem_tv

خلال الأيام الماضية كانت إيران منشغلة بمناقشة الإتفاق النووي في مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان)...كانت النقاشات حادة لدرجة الصراخ والكلام الحاد، حتى أن أحد النواب نقل إلى المستشفى الملحق بالمجلس للعلاج بعد انهياره نتيجة عدم قدرة فريقه السياسي على منع التصديق على الإتفاق...خلال النقاش قال أحد النواب، ممازحا على حد تصويبه لاحقا، إنه سيدفن علي أكبر صالحي ومحمد جواد ظريف تحت مفاعل أراك، وفي اليوم التالي كان صالحي يزوره في المستشفى للاطمئنان على صحته...
إيران دولة اسلامية، لها نظام خاص بها، قد يعجب البعض وقد يستفز البعض الأخر، لكنها في إطار نظامها حرصت على ايجاد مساحات للاختلاف والتعبير، تتسع وتضيق بحسب الموضوع الذي يجري نقاشه، لكنها تترك مجالا لكل طرف ليقول لدي وجهة نظر وفكرة وموقف، لدي هامشا للاختلاف حتى وإن كان السائد غير ما أعتقد، حتى وإن كان ذلك الأمر يرتبط بالموقف من الملف النووي الذي هو واحد من أكثر الملفات حساسية...
لا شك أن هناك في ايران من لا يعجبه التوليفة الحاكمة بأسرها، باصلاحييها ومحافظيها، هؤلاء مثلا يعارضون نظام الحكم الإسلامي من جذوره وهم يعترضون على اقصائهم وتغييب صوتهم، لكنهم يدركون في مكان ما أن كل عقائدي يحكم يأتي بعقيدته لتكون دستورا لنظامه، فهو يكافح ويناضل ليحكم بطريقته، فكما أن الإسلامي لن يترك مجالا العلماني أن يؤثر على مسار حكمه كذلك العلماني لن يسمح الإسلامي بأن يدخل دائرة القرار...إنه صدام العقائد والاتجاهات، هكذا هي دول الغرب التي لا تقبل بأن يدخل الحظيرة إلا من كان من ذات العرقية الفكرية، أميركا يحكمها حزبان، الجمهوري والديمقراطي، حزب محافظ وحزب اصلاحي، كذلك بريطانيا وان اتسعت الدائرة قليلا، وعلى ذكر بريطانيا فمجرد كون زعيم حزب العمال الجديد جيرمي كوربين من غير العرق الفكري دفع برئيس الوزراء ديفيد كاميرون للقول انه يشكل خطرا على الأمن القومي....
الفارق بين نظام الحكم في بريطانيا وأميركا من جهة وايران من جهة ثانية، أن النظام هناك عمره مئات السنوات، كان جنينا وتعرض لمحاولات إجهاض عديدة ،عبر حروب أهلية وتحديات خارجية وداخلية، وتمكن في نهاية المطاف من أن يكبر ويتعلم ويتطور وينضج....
جنين النظام في ايران تعرض لمحاولات إجهاض عديدة خلال ال 35 عاما الماضية، لا يكاد يمر عام دون محاولة، لكنه نجح في قطعها كلها، وهو اليوم في مرحلة جديدة، مرحلة الولوج من جمهورية الثورة إلى  دولة الجمهورية، هذا التطور تبدى في معالجتها للملف النووي، في تعاطيها مع مصالحها في المنطقة، في تشخيصها للمخاطر على أمنها الإقليمي والقومي...
في سوريا والعراق واليمن وفلسطين وأفغانستان ولبنان، أدوار عديدة تلعبها ايران مباشرة أو عبر منظومة حلفائها التي لا تزال حتى اللحظة متأثرة بجمهورية الثورة بشكل كامل، لذا يشعر المراقب بنوع من الفصام في السياسة الإيرانية بين الفعل والقول، الحقيقة أن التحول ليس سهلا ويتطلب وقتا، والوقت في أيامنا هذه ثمنه يدفع بالدماء لا بالمال، لذا تجد ضباط الصف الأول الإيرانيين يقاتلون على الجبهات الأمامية، مهما كان التقييم لواقع التدخل الإيراني فهذا يحمل على الاحترام والتقدير، إذ أن هؤلاء يقطعون آلاف الأميال ليخدموا مصلحة بلادهم باللحم الحي لكي يبقى البرلمان في طهران يناقش ويختلف ويتفق، لكي تبقى الجمهورية التي صنعتها الثورة والدولة التي أرستها الجمهورية، لكي لا يضطر بقية الجيش للحرب على أرضه....بينما من يقف على الجانب الأخر أقصى ما يفعله إرسال المال والتصريحات الإعلامية نصرة للقضية التي يتبناها....في القياس وهنا يجوز القياس، لا مجال للقياس...
لا شك أن الصراع الخليجي الإيراني، وتحديدا السعودي الإيراني، يأخذ أبعادا جديدة كل يوم، وهو خرج من دائرة الصراع على المصالح إلى العداء المباشر، وهذا أخطر ما فيه...فمثلا في مأساة التدافع في منى ذهب البلدان في مستوى التراشق الكلامي إلى حافة الهاوية، إيران تتهم السعودية بالمسؤولية المباشرة وحتى بالتواطؤ حينا بينما السعودية تروج بشكل غير مباشر لمسؤولية الحجاج الايرانيين عن الكارثة...النتيجة أن الخلاف بين البلدين كبير إلى حد أن وفاة مئات الأشخاص لم يفتح كوة في الجدار إنما رفع المزيد من الجدران....
هنا مثلا تبدو هذه الملفات عالقة في المنطقة المشتركة بين جمهورية الثورة ودولة الجمهورية ويغلب أكثر الطابع الانفعالي على المواقف منها، لذا مثلا يخرج المرشد ليحدد إطار الخلاف ويرسم خطوط الاشتباك...ليس هنا فقط إنما في معظم القضايا الكبرى يلعب المرشد هذا الدور وليا لأمر الجمهورية الشابة، ضابط ايقاعها، لاجم جموحها متى اقتضى الجموح اللجم، ومطلق اجنحتها حين تسمح الظروف بالطيران...

الأحد، 13 سبتمبر، 2015

اين القوات الروسية في سوريا؟ بقلم حسين نورالدين @HuseinNourdin

كتب حسين نورالدين
Nourddin4@hotmail.com

دخل الوجود الروسي المتعاظم في سوريا مرحلة جديدة قد تكون لها تداعيات كبيرة ان لم تقبل به الولايات المتحدة التي تعودت اللعب منفردة حتى بوجود حلفائها.
ادت تعقيدات الوضع الميداني في سوريا وسيطرة المسلحين على مدن ومساحات جديدة الى خلق واقع اكثر صعوبة بالنسبة للجيش السوري وحلفائه.
لم يكن سقوط مدينة ادلب واخراج الجيش السوري من اخر معاقله في المحافظة (جسر الشغور وما بعدها) ممكنا لولا التدخل التركي المباشر والعلني بالمعركة.
دعمت تركيا جيش الفتح في المعارك ( يضم تنظيم القاعدة) التي انتهت بالسيطرة على المحافظة بأكملها.
لم تتوقف الامور هنا ولن تتوقف. فمعركة اللاذقية بريفها الشرقي مستمرة دوما. وخطر الوقوع بحرب فيها مجازر ابادة محتمل. والامر بات يهدد فعلا المصالح الروسية على شواطئ البحر المتوسط. فيما تتوسع الولايات المتحدة فعليا على الارض وبالنفوذ تضمر روسيا بوجودها المباشر في دول كانت حليفتها في السابق ( اوكرانيا مثال وجورجيا ) . كذلك فان النفوذ الروسي المتمسك بالقانون الدولي الى حد ما اصبح عملة غير قابلة للصرف في موازين القوى في وقت تشن فيه واشنطن حروبا استباقية كاذبة ( العراق) وتعلن دعم ثورات وانقلابات. مقابل الهجمة الاميركية بدون قواعد اختارت روسيا طويلا طريق مجانبة الواقع . اما اليوم وبعد ان عزلت وفرضت عليها العقوبات وبعد ان اعلنت واشنطن ان "روسيا هي العدو الفعلي" بات لزاما تغيير بعض قواعد اللعبة من خارج الاطار وان بغطاء الاتفاقيات الدفاعية.
وقائع ميدانية:
نعم فتحت روسيا جسرا جويا يومي الى سوريا . وفي المعلومات الخاصة "تحط نحو سبع طائرات روسية كبيرة يوميا في مطار اللاذقية".
كذلك فان القوة الروسية عززت " عديدها في شمال سوريا بشكل خاص " قرب بلدة كسب على الحدود التركية" حيث انتشر "قناصوها وفرق المدفعية " . كذلك فان القوات الروسية توجد في جبل زاهية للاشراف على " نقاط التماس في سهل الغاب" وقد "جرح لها جنديان" في هجوم للمسلحين على ريف اللاذقية الشمالي من ريف ادلب لجهة السهل بحسب معلومات عسكرية ميدانية معنية. وعلى الحدود ايضا في بلدة قسمين فرح الاهالي بتيار كهربائي لا ينقطع . هم استفادوا عرضا من "القاعدة العسكرية الروسية في ذلك المكان" . القاعدة مخصصة وموجهة مباشرة الى الجانب التركي . "المعركة باتت معنا الان" فلا تستمروا باستباحة السماء السورية ولا بتشويش اتصالات الجيش السوري اثناء المعارك.
الى اين ؟
السؤال هي الوجود الروسي هو فقط لحماية المصالح الروسية ام لحفظ سوريا ومنع مشاريع التفتيت والتدمير والتغيير فيها؟
المرحلة المقبلة القريبة ستشهد ردا اميركيا على الخطوة الروسية وقد نشهد اول رد على التحالف الاميركي خلال عمله في سوريا . لكن الرد الاول لن يستهدف طائرة اميركية بل جزءا من قوات من يشارك في التحالف.

الأربعاء، 1 يوليو، 2015

إيران وأميركا: الفرصة الأخيرة؟




علي هاشم ـ فيينا

لا شيء في فيينا يشي بإتفاق أولا إتفاق، حتى اللحظة هي فرص متساوية تزيد أو تنقص بحسب التقدم على طاولة المفاوضات الرئيسية.
يجلس الأميركيون والإيرانيون وجها لوجه في قصر بالاس كوبرغ المطل على ساحة ثيودر هرتزل، الأب الروحي لمشروع دولة إسرائيل. هي مصادفة فيها من واقع التربص الإسرائيلي بالمفاوضات الكثير، وكأنها تقول إن إسرائيل تحاصر المفاوضات من كل مكان، عبر لوبياتها الناشطة في أميركا وتأثيرها على بعض الحاضرين من أطراف مفاوضة ومصالحها التي تحاول أن تفرضها أولوية على جدول أعمال واشنطن.
ماذا يحدث في كواليس فيينا؟ سؤال يطرح في كل مكان يمتد إليه التأثير الأميركي أو الإيراني على امتداد الشرق الأوسط والعالم، فالكل ينتظر ليبني على الأمر مقتضاه سلباً كان أم إيجاباً، لأن الجميع يعلم أن لما يحدث هنا تأثير كبير على ما ستكون عليه السياسة غداً، والسياسة مرتبطة بالأمن والعسكر والإقتصاد، لذا فهي دون مبالغة لحظة مصيرية تشبه لحظات خلت قبل قرن من الزمن حين كانت خرائط المنطقة ترسم بحسب مصالح الإمبراطوريات الكبرى.
بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأميركية جدار من عدم الثقة بني على امتداد ثلاثة عقود ونصف، ربما هو صاحب التأثير الأكبر على مسار التفاوض وتحديداً حول المواضيع المفخخة والتي لا مجال فيها لأي خطأ، وفي لحظة الحقيقة يظهر حقاً حجم هذا الجدار الذي قد يفضي بمجهود سنتين كاملتين إلى مصير مجهول. فأميركا والدول الخمس الأخرى يقولون إنهم يحتاجون لضمانات ملموسة أن إيران لن تنحى بإتجاه مشروع نووي عسكري، ضمان بعد ضمان ولم يحدث بعد أنهم إكتفوا بما قدمته إيران، لذا فهم يحاولون، بحسب مصادر دبلوماسية متابعة، اللعب على الكلمات للدخول من بعض الثغرات في صياغة تفاهم لوزان إلى ما هو أكثر مما حصلوا عليه. وهو ما لا يستوي لإيران التي تقول بدورها إنها وصلت بما قدمته إلى حافة هاوية خطوطها الحمراء، وأن أي مرونة إضافية ستشعل الرأي العام الإيراني الذي دفع من اللحم الحي للوصول إلى مصاف الدول صاحبة الطاقة النووية السلمية.
الخلاف الحقيقي اليوم حول ثلاث مسائل رئيسية، رفع العقوبات ومسألة تفتيش المواقع العسكرية ولقاء العلماء والخبراء النوويين، وعلى هذه النقاط تدور جولات مفاوضات ماراتونية يسعى من خلالها من يجلسون حول الطاولة لتدوير الزوايا الحادة والتفكير خارج الصندوق عن حلول على قاعدة أهون الشرين.
بالنسبة للعقوبات تتمسك إيران برفع العقوبات بشكل متزامن مع تطبيقها لبنود الإتفاق والتحقق من قيامها بذلك.. هي تستفيد من تجربة سابقة بعد إتفاق جنيف في تشرين ثاني 2013، حيث جرى تطبيق عملية تزامن ذكي بحيث يقوم كل طرف صباح يوم سريان الإتفاق بتنفيذ ما عليه، وبين صباح طهران وصباح واشنطن ثمانية ساعات ونصف وأوروبا في الوسط.
أشرقت حينها شمس طهران وهي تخفض مستوى التخصيب وتقوم بباقي الخطوات المطلوبة بحضور مفتشين عن وكالة الطاقة الذرية، جرى التأكد من الأمر وإرسال تقرير إلى أوروبا التي كانت الشمس فيها قد أشرقت بعد ذلك بساعات ثلاث، نفذت أوروبا ما عليها وبعدها بخمس ساعات استفاقت واشنطن وقد تأكدت من أن الأمور تسير على السكة الصحيحة، فأعطيت الأوامر للجهات المعنية بإتخاذ الإجراءات المطلوبة.
يقول دبلوماسي إيراني رفيع في دردشة مع الميادين إن هناك شعوراً لدى بلاده أن أميركا تتعامل مع العقوبات على أنها أصل ثمين في العلاقة مع إيران، ولذا فهي تسعى جهدها للحفاظ عليه بأي كلفة كانت، هذا الأمر بحسب الدبلوماسي يؤثر سلباً في مسار المحادثات، إذ أن الهدف الرئيسي من كل هذا في نهاية المطاف هو رفع العقوبات وما هو دون ذلك لا معنى له.
تحاول الولايات المتحدة إدخال إيران في لعبة دون سقف من خلال ربط رفع العقوبات بمجموعة من الإجراءات وبمرور وقت على تطبيقها، يقول الدبلوماسي سيطلبون أن نفعل شيئاً ثم يقولون أنهم يريدون شيئاً آخراً، وهكذا دواليك.. وربما يمر عام أو أكثر دون نتيجة.
هكذا يكون الإتفاق محكوماً بالفشل والإنهيار والدخول مجدداً في دوامة ربما تكون أخطر من سابقاتها لاسيما وأن جدار عدم الثقة سيكون أكبر.
القضية الثانية وهي مسألة الدخول إلى المواقع العسكرية أو التي تصفها الدول الغربية بالمشبوهة.. الواقع أن هذه القضية تأخذ جزءاً كبيراً من الأخذ والرد، كونها تصيب خطاً أحمراً آخر تحدث عنه المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي في أكثر من مناسبة. بالنسبة لإيران من يدفع بإتجاه هذا الأمر يحاول أن يستهدف الأسرار العسكرية لها وهي تضع نفسها في خانة الدول المستهدفة في المنطقة والمهددة من قبل إسرائيل بشكل دائم، لذا فلا رفاهية للقبول بمخاطرة القبول بدخول الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أي مكان في أي وقت، تحيل طهران الدول التي تطالب بذلك إلى البروتوكول الإضافي، مشيرة إلى أنها في حال حصول إتفاق ستوقعه وستلتزم ببنوده، الجواب في طهران على هذا السؤال حرفيته "لا أحد بإمكانه الدخول إلى أي مكان في أي وقت يريد، إذا ما أرادوا ذلك حقاً عليهم بغزو إيران وبعدها فليأخذوا ما يريدون".
لمزيد من الضمانات يريد الغرب مقابلة العلماء والخبراء النوويين الإيرانيين، هكذا يقولون، فهم يخشون أن يكون هناك أبعاداً عسكرية ممكنة لبعض الأبحاث، ولذا فهم يريدون مقابلة كل من يشكون بأن يكون يذهب في هذا الإتجاه.
مجدداً خط أحمر آخر، وقضية داريوش رضا نجاد طالب الدكتوراه الإيراني الذي اغتيل في العام 2011 لا تزال عالقة في وجدان الإيرانيين.. قبل أسبوعين من إغتياله أمام زوجته وطفلته ورد اسم رضانجاد في لائحة قدمت للدولة الإيرانية من الوكالة الدولية للطاقة الذرية بحجة أنه يقوم بأبحاث حول محولات التيار الكهربائي العالي المتررد والتي بحسب الوكالة بالإمكان أن تستخدم في صناعات مدنية وفي ذات الوقت في صواعق الرؤوس النووية والصواريخ.
إغتيال رضانجاد إضافة إلى عدد آخر من العلماء دفع بإيران إلى القول إنها غير مستعدة لقبول أي إتفاق يكون ثمنه دماء علمائها أو أسرارها العسكرية والعلمية.
المصدر: الميادين

الخميس، 18 يونيو، 2015

الافق المسدود: صراعات المنطقة والحلول المؤجلة #حسين_نورالدين @HuseinNourdin





كتب حسين نورالدين

انها لحظة الحقيقة لا بد من المصارحة بها، ليس من موقع الهزيمة او النصر، بل من موقع تقييم الموقف .
تستتب في المنطقة يوما بعد اخر ملامح التقسيم، هو مخاض جديد على اعلى مستوى منذ اتفاقية سايكس بيكو بين بريطانيا وفرنسا لتقاسم مناطق السلطنة العثمانية .
نظرة الى سوريا والعراق تظهر قيام كيانات دون اسماء فعلية الى اليوم . "الدولة الاسلامية" تبسط سيطرتها على مرأى من العالم من تدمر الى الموصل . هي منذ سنة تقريبا تقيم عاصمة في ثاني اكبر مدن العراق . هي مستقرة وتعمل بشكل اقرب الى الطبيعي لا بل وتوسعت الى الرمادي وبيجي ومناطق الانبار عموما وصلاح الدين والرقة وتدمر وريف دير الزور وريف حلب الشمالي في سوريا . هي تسيطر على ابار النفط وطرق المواصلات امام اعين تحالف دولي اعلن عداءه للتنظيم .
التنظيم رغم العداء الذي يواجهه يقاتل على اكثر من جبهة ويربح في بعضها ويخسر في اخرى . الا انه مستمر بالحياة والنمو واستقطاب المقاتلين من العالم اجمع.
نمو الدولة الاسلامية
ليس ما يظهر ان المد البشري سيضمحل امام فكرة الخلافة الاسلامية التي يطرحها ابو بكر البغدادي . 
بالمقابل يقف الجيش العراقي والحشد الشعبي وحلفاؤهما موقف المريد لكن المغلول. حققت القوات العراقية مدعومة من ايران انجازا في امرلي العراقية . اقترب داعش من الحدود الايرانية فكان الرد الفعلي. في تكريت استطاع الجيش العراقي دخول المدينة لكن مسلحي داعش انكفأوا الى مناطق اخرى وهاجموا مصفاة بيجي الاكبر في العراق ولم يبقوا على شيء منها . ومع ذلك بقي برميل النفط على تذبذبه ولم يقفز كما كان يفعل قبل سنوات بفعل مثل هذه الاحداث. ورغم هذين الانجازين فان داعش قاتل في الرمادي وربحها وهاجم في حديثة ويهاجم يوميا في الكوير وجنوب كركوك وفي شمال غرب العراق .
يطرح الاميركيون تسليح العشائر السنية واقامة اقليم سني في العراق لتحقيق خطة جون بولتون . ليصبح العراق بفهم الادارة الاميركية : شيعيا في الوسط والجنوب ، سنيا في الغرب وشمال بغداد، كرديا في الشمال .
في سوريا تضمحل رقعة سيطرة الجيش السوري . يخسر مناطق واسعة في ادلب وجسر الشغور واريحا وغيرها لصالح جبهة النصرة فرع تنظيم القاعدة في بلاد الشام، كما تخسر الجبهة مناطق لصالح " الدولة الاسلامية" . يسيطر الجيش السوري على جبال وعرة في القلمون على الحدود مع لبنان غير مأهولة بالسكان فيقتطع داعش والنصرة مدنا كبرى بكل مخازن السلاح فيها ويغنمون من الصواريخ ما لم يتوقعوا .
سقطت تدمر . سقطت ادلب . جسر الشغور . اريحا . هجمات في حلب . هجمات في الجنوب . انظروا الى الخريطة السورية والسيطرات فيها . المنطقة الساحلية بعمق يتاخم حمص وصولا الى الخط الرابط بالعاصمة دمشق هو بيد الجيش السوري . القوات تسحب لتحمي هذه المناطق .فيما تخلى مناطق اخرى تحت ضغط الهجمات المدعومة من تركيا والسعودية وقطر والاردن .
استغلال الازمة
يهاجم التحالف الاميركي في دير الزور وفق معلومات القيادي التونسي في داعش ابو سياف . يضرب في الرقة لمحاولة تحرير رهائن له . يضرب اهدافا يقول انها لداعش . ويظهر بضع مركبات تدمر عبر تصوير حراري لا ندري اين هو او ماذا استهدف. كل هذا والاستخبارات الاميركية والاقمار الصناعية عاجزة عن تحديد البغدادي او مراكز القيادة الاساسية لتنظيم يسيطر على نحو 220 الف كيلومتر مربع من الاراضي ويدير تجارة بملايين الدولارات من بيع النفط عبر تركيا الى تركيا واروربا.
تنمو الحركة الكردية . اقليم كردستان في افضل احواله . هو يفاوض بغداد على عائدات النفط . ويسيطر على ابار كركوك بدعوى صد داعش . يرسل قوات الى عين العرب في سوريا عبر تركيا . يوسع الكرد نفوذهم بدعم اميركي . يطلبون من واشنطن الدولة . في سوريا ايضا وعلى الرغم من اختلاف الحال . الا ان الحركة الكردية متمثلة بوحدات حماية الشعب تسيطر على اجزاء واسعة من الحسكة شرقا ومن ريف الرقة شمالا واخيرا على معبر تل ابيض مع تركيا . وتسيطر على عفرين بريف حلب الشمالي وتقيم ما تسميه الادارة الذاتية .
الى جنوب سوريا حيث نشط اليوم الحديث عن دور جبل العرب في الصراع الدائر على الارض . رفض النظام السوري تسليح الدروز منذ بداية الازمة . وهم لم يريدوا ان يقاتلوا الى جانب النظام . بل التزموا حماية مناطقهم . تبرز الدعوات من الدروز في اسرائيل . هم انشأوا مشفى ميدانيا لاستقبال الاصابات واعلنوا الاستعداد لنصرة أبناء طائفتهم، وايا كان موقف الدروز في السويداء اليوم فإن هذا الموقف رهن بمن يسيطر على الارض ويضمن البقاء لهذه الجماعة بدون اي انتقاص من قيمتها التاريخية الوطنية . هي حرب بقاء ووجود .
ماذا تعني كل هذه المقدمة ؟
ان تركيا لن تقبل بواقع كردي على غرار ما تقدم وستلجأ الى سياسات قد تصل الى قضم المناطق الكردية السهلة الهضم، وخصوصا في سوريا . اسرائيل في الجنوب ستعمل على التوسع عبر قضم السويداء وضمها، العراق يتقسم الى اقاليم بما تبقى، سوريا بما تبقى منها تتقسم بواقعية دولية واقليمية.
الازمات القائمة الاخرى: اليمن وليبيا ومصر بشكل اساس
تعم الفوضى اليمن اليوم، فشل مؤتمر جنيف واضح، التصعيد سعوديا بالغارات جلي، بمقابله سيستمر الحوثيون بردهم الخجول على المواقع السعودية العسكرية. امام هذا الطرف الاخير خيار التقدم الى عسير وجيزان والسيطرة عليهما على نمط حرب العصابات او الاكتفاء بالرد الحالي .
في حال جرى التقدم الى المدن السعودية فان الحرب ستتوسع وسيجد داعش والقاعدة مساحة واسعة لهما للتوسع وملء الفراغ وصد الهجوم "الرافضي". وخلال هذه العملية لن تبقى التنظيمات الجهادية في المنطقة الحدودية بل ستتوسع ولا تعرف حدود هذا التوسع .
في ليبيا ها هي بوادر الدولة الاسلامية تلوح في الافق .منطقة خصبة بعد سقوط القذافي على يد حلف شمال الاطلسي. التنظيم سيطر على سرت وعلى موانئ نفطية ويخوض قتالا ضد فجر ليبيا التي احتضنته في طرابلس . هو يقتل مصريين وتشاديين على غرار ما فعل في العراق وسوريا . ويقتل من مسلحيه مصريون وسعوديون ويلتحق به جهاديون من مختلف الدول. تتخوف الحكومات المجاورة في تونس والجزائر ومصر. لكنها بيئة خصبة لامتصاص المؤامرات الاميركية وتوسع الارهاب فيها . ولا نغفل الجزائر الدولة التي صمدت بوجه الارهاب خلال التسعينات . ولكنها بقيت دون حل جذري ويسعى الغرب لاستبدال نظامها الاشتراكي بنظام اخر اكثر طواعية ويرتقب تبدل الرئاسة فيها .
 في هذا الصورة لا يلوح اي افق . برغم الدعم الايراني الكبير للنظامين العراقي والسوري وللحركة الثائرة في اليمن وللمقاومة اللبنانية الا ان هذه الاستراتيجيا اثبتت بطأها عن موكبة نمو التيار التكفيري. كل الجهد الايراني لم يتمكن من استدراج دعم روسي مباشر وواضح وعال في المنطقة بوجه الدعم الكلي الاميركي للسعودية في اليمن . كل ما يخطط يرد عليه بضربات اقوى . تستعيد تكريت فتسقط الرمادي . تقضم في القلمون السوري فتسقط ادلب. تحمي مطار الثعلة في السويداء لكن يسقط اللواء اثنين وخمسين بمخازنه .
تحافظ على صنعاء لكنك تعجز عن وضع خطة سياسية وانشاء حكومة ثورية تحكم عبر مخاطبة العالم ككل بأنها شرعية وتمثل الشعب . الركون الى الميدان وحده لا يعفي من ضرورة العمل الدبلوماسي الذكي والجاد.
الخلاصة
ان الاضطرابات المشار اليها لا يبدو في الافق انها ستلقى حلولا . كلها ازمات مفتوحة . هو مخاض فعلي لمنطقة جديدة ترسم، ستصاغ يوما ما في كتب التاريخ ببضعة اوراق تحكي عن تقسيم جديد على غرار سايكس بيكو بعرابين اخرين.
 هي حركة التاريخ الذي يشهد زوال دول ونشوء دول اخرى . علينا تقبل الامر بهذه الطريقة. قامت الدولة الاموية وورثتها الدولة العباسية وورثتها دولة المماليك التي انهزمت للدولة العثمانية فنشأت تركيا والدول الاخرى.

 هي مسيرة لا تقبل المقدس. من تمسك بالقديم اندثر وقتل ومن تحرك فرض ما امكنه او توسع او حافظ على بعض ما عنده. طبعا لن نكون مع داعش وقتلها. لكن المشروع المقابل لها لم ينضج بعد او انه في مرحلة المراهقة ولم يعرف بعد كيفية المواجهة . او انه لا يريد المواجهة طالما ان اطرافا ما لم تمسها النار بعد.

Al-Mayadeeen Feeds