السبت، 20 أبريل، 2013

شيطنة حزب الله!




زارني قبل أسابيع صديقي الدمشقي، لم يحمل إليّ شيئا مما إعتدت عليه منه في زياراته السابقة، اللهم إلا الهم الذي بات مصاحبا له كما لملايين السوريين الذين باتوا يوما بعد يوم يثبتون أنفسهم نظاما ومعارضة حجرا رئيسيا على رقعة شطرنج الأمم.
تواعدنا في مكان وسبقني إليه وما ان وصلت حتى أومأ للنادل هناك، والذي كان بالمناسبة سوريًا، وبدل طلب الطعام او الشراب بادر إلى سؤاله، "يا فلان في العام 2006 هل رفعت علم حزب الله؟ هل صرخت بروح نصر الله؟" فأجاب الشاب "نعم فعلت وفعل كل الشعب السوري". عاجله بسؤال آخر وسريع، "واليوم حتى لازالت تحبهم؟" اجاب النادل السوري دون تردد بالنفي ليضيف بعد ثوان من الصمت "حزب الله شريك في القتل لأنه يدعم المجرم بشار الأسد".
إلتفت صديقي مجددا إلي ليؤكد لي النظرية التي كان يحضرني للحديث عنها، حزب الله الذي كانت صوره في سورية ترفع فوق صور بشار وحافظ الأسد طوعا لا جبرا أضحى اليوم بمنزلة النظام من كثر من الذين لا يؤيدونه، أصبح عدوا لأنه لم يساند الثورة ودعا للحوار وأعلن صراحة تأييده للنظام، والسيد حسن نصر الله الذي كان في يوم من الأيام بطلا من الأبطال الأسطوريين لدى السوريين لأنه  قاوم إسرائيل، حرقت صوره ومزقت، واصبح إسما غير مرغوبا بسماعه وصوتا مستفزا لا يقابل عند سماعه إلا بالشتائم.
حتى اكثر المتفائلين إسرائيليا وأميركيا لم يكونوا ليظنوا ان صورة نصر الله وحزب الله تحديدا في سوريا ستصل إلى هذا الدرك، حتى أن النظام في سوريا ظن للوهلة الأولى في بداية الأحداث ان الوحيد الذي بإمكانه التأثير في الناس وإعادتهم إلى بيوتهم هو نصر الله، لكن النتيجة كانت ان الناس بدل ان تستجيب لمن كان بطلها وملهمها اسقطته عن عرش محبتها ووضعته إلى جانب بشار الأسد بإعتباره مؤيدا للنظام، ومن ثم بدأت الإشاعات بأن حزب الله دخل المعركة تتزايد، ليتحول الحزب إلى قاتل بنظر الذين يؤيدون الثورة، ولتحاك القصص وتروى الحكايات عن القناصة اللبنانيين حينا والإيرانيين احيانا الذين يدخلون مع الأمن إلى القرى والأحياء، وتصل الإشاعات أحيانا إلى حد القول ان اسرى لحزب الله وقعوا في يد الثوار، وهو امر إن صح فذاك إنجاز يسجل لأن إسرائيل بقوتها ورجالها وعدتها لم تستطع خلال حرب 2006 من اسر سوى أربعة عناصر ثلاثة أعتقلواجرحى والرابع بعد نفاذ ذخيرته.
المهم ان حزب الله اليوم تحول إلى شيطان رجيم يرمى بأقذع الأوصاف، ويساهم في تأجيج الصورة بعض التكفيريين ممن لم يكن يوما يعجبهم ان يكون لحزب "شيعي" مودة في الشارع "السني"، ولكن التهمة الحقيقية والمثبتة بالوقائع والكلمات هي وقوفه إلى جانب نظام الأسد في مواجهته للثورة التي دخلت عامها الثاني تحديدا من خلال دعوته بداية للحوار بين جميع الفرقاء السوريين ونبذ القتال والوقوف في وجه اي تدخل دولي مفترض، ثم ما يحكى عن مشاركة شباب الحزب في معارك القصير وحماية الأضرحة المقدسة.  وجهة نظر يجمع الثوار السوريون وإلى جانبهم عدد كبير من رجال السياسة العرب واهل التواصل الإجتماعي انها مبنية بالدرجة الأولى لأن النظام في سوريا علوي يدور في الفلك الشيعي، وان الثوار بمعظمهم من السنة، اي ببساطة منطلق حزب الله طائفي مذهبي.
قد يصدق هذا الكلام لو ان موقف حزب الله هذا غير مسبوق في بلدان اخرى كانت مهددة بالتدخل الخارجي، ولعل المثل الصارخ الذي لا مجال لتكذيبه لأنه موثق هو موقف السيد نصر الله نفسه من نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين والذي كان بالمناسبة "سنيا" ومورط بسفك الدماء "الشيعية" وقتل رجال دين شيعة بدم بارد على رأسهم السيد محمد باقر الصدر، يومها دعا نصر الله الأفرقاء العراقيين للإلتفاف حول طاولة مستديرة وعقد ما وصفه بطائف عراقي، اي إتفاق يشبه الإتفاق الذي عقده اللبنانيون فيما بينهم بعد الحرب الأهلية.
مساء ذلك اليوم الذي دعا فيه نصر الله للطائف العراقي لم يبق من شيعة العراق من لم يتصل بحزب الله ويعبر عن سخطه من إستهانة السيد بدماء العراقيين وتاريخهم، لكن جملة واحدة كان المعني في حزب الله بالرد يكررها، "لو فعلها بنو الأصفر لوضعت يدي بيد معاوية" في إشارة إلى كلام الإمام علي بن أبي طالب يوم قيل ان الروم سيهاجمون عاصمة الأمويين.
طبعا سقط النظام في العراق ولكن حزب الله لم يرض بما وصف حينها بالإجماع الشيعي حول العملية السياسية، وهو دعم جماعات المقاومة العراقية، فكانت قناة المنار التابعة له تعرض صور العمليات التي تقوم بها مختلف الفصائل، وهو الذي دفع بشيعة العراق وتحديدا الذين يؤيدون ما كان يعرف بالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، او المجلس الإسلامي العراقي واحزاب الدعوة الإسلامية لإتهام الحزب بأنه يعاديهم ويؤيد اجندة لا توافقهم.
لا يريد احد ان يتذكر تلك الحادثة وذلك الموقف لأنه ببساطة لا يخدم مشروع شيطنة حزب الله، الذي بعدما كانت ترفع صورة قائده من المغرب إلى اندونيسيا وفي المساجد السنية قبل الشيعية، هكذا ببساطة تحول مؤرق إسرائيل إلى مجرد تنظيم طائفي، ومقاتليه الأشداء الذين تفوقوا على طائرات إسرائيل ومدافعها ودباباتها وبوارجها إلى اعضاء في كارتيلات المخدرات وعصابات القتل، تحول حزب الله إلى حزب اللات وحسن نصر الله إلى حسن نصر اللات، واما العلم الأصفر الذي لطالما رفع في بيوت السوريين إعتزازا وفخرا فلا تسأل عنه لانه لم يعد هناك، ربما تجدوا منه بعض الرماد.
هل أخطأ حزب الله في موقفه من سوريا؟ البعض يقول انه إرتكب خطيئة لا خطأ لأنه كان بإمكانه ان يبقى على الحياد تماما كما فعلت حماس في بداية الأمر، وهو ما كان ليضمن لحزب الله خط العودة في حال لم يبق هذا النظام، ويذهب بعض المغالون إلى اكثر من ذلك بالتأكيد ان حزب الله بسبب مواقفه من الثورة السورية وضع نفسه ومناصريه في موضع الهدف المشروع لأي نظام جديد تتمخض عنه الثورة، وان الهدف الأول الذي سيوضع على لائحة الأهداف، القضاء على من تحالفوا مع النظام وعلى رأسهم حزب الله.
لكن هناك من يتسائل هل كان لدى حزب الله اي خيار غير دعم النظام السوري، وكيف له ألا يدعم من إنفرد بالوقوف إلى جانبه وخلفه وفتح له الحدود خلال حرب تموز 2006 وما بعدها...حزب الله لا يفكر برومانسية الثوريين بل بعقل بوصلته فلسطين، وهو يتبع في خياراته ما يسمى لدى المسلمين فقه الأولويات، والأولوية لديه اليوم وغدا وبعد غد ستبقى تحرير فلسطين، لأجل ذلك صمت كثيرا، ولأجل ذلك تحامل على جراح، ولأجل ذلك وقف إلى جانب الأسد، فالمشهد الأفغاني واضح امامه والمشهد الصومالي كذلك، حزب الله كان يعلم من البداية ان مآل الأحداث في سوريا تشرذم وخراب وهيكل متداع لما كان دولة وما أصبح اليوم مجرد أرض محروقة تتصارع على رمادها ميليشيات من كل حدب وصوب...
يقول اهل المقاومة في لبنان، ضميرنا مرتاح، ونعلم اننا قمنا بتكليفنا تجاه الله والأمة، لكن صوتنا لم يكن ليسمع وسط فوضى القذائف والرصاص، الجميع صم الآذان عندما دعونا للوحدة والحوار، واليوم لم تعد الحرب بين بشار الأسد ومعارضيه، هم أصبحوا اليوم جزءا من معركة أكبر، من صورة اوسع، من صراع مترامي الأطراف، معلوم الشرارة مجهول المآل. ولأن المشهد بهذا السوء كان على المقاومة ان تختار من البداية فإما ان تكون ضد نفسها وإما ان تكون معها...
لكن كيف ستكون المقاومة ضد نفسها إذا ما وقفت ضد بشار الأسد؟ يقول قائل، وهل كل ما نراه سوى مقدمة للوصول إلى رقبة حزب الله! حزب الله فرّق من البداية بين الحراك الشعبي والمؤامرة، ولو انه لم يفرق لما طالب النظام بالإستماع والحوار والإنفتاح، لما كان السيد نصرالله قضى ساعات وساعات يتوسط لدى الرئيس السوري لإطلاق سراح مجموعة هنا ومعارض هناك! لكن الحزب في قضية الحراك المسلح كان له رأي آخر، كان يعلم ان من يهرب السلاح إلى سوريا آخر هم لديه حرية الشعب السوري وكرامته، من هرب ويهرب السلاح من وجهة حزب الله من دول وجهات تسلف التسعة لتستولي فيما بعد على العشرة. لا بل هو يعتقد ان فوضى السلاح ستكرس السلاح لغة تخاطب بين المتخاصمين، وعندها لن يعلو فوق صوت الرصاص صوت، وهذا ما كان...
هل يحارب حزب الله في سوريا، هل يقمع حزب الله ثورة شعبية، هل يرتكب حزب الله جرائم؟ اسئلة كثيرة يطرحها البعض. منهم من يطرحها غيرة على الحزب وكرها في تورطه في هكذا مستنقع موحل، ومنهم من يطرحها والقصد من سؤاله إدانة ثلة المقاومين التي إنفردت بتحرير أرضها يوما دون قيد أو شرط. هل يحارب حزب الله في سوريا؟
جواب السؤال لدى العارفين بخفايا الحزب واسراره واضح بيّن، حزب الله لا يحارب، لا يهاجم، لا يقمع... فماذا كان سيفعل حزب الله وهو يرى المئات من العائلات اللبنانية التي رماها حظها العاثر على الجانب الآخر من الحدود وهي تتعرض لهجمات اجبرت بعضها على النزوح عن بيوتها وأراضيها...في بداية المطاف ترك الحرية لعناصره في تلك القرى للدفاع عنها، لكن عندما اصبح الأمر اكثر خطورة، حسم خياره، ودخل مكرها في معركة لم يكن ليدخلها لو ان الدولة قامت بواجبها تجاه مواطنيها. وعن وجود حزب الله في محيط السيدة زينب، يقول هؤلاء "حزب الله إضطر مكرها لحماية المقامات المقدسة الإسلامية عندما أصبحت مشرعة أمام من قالوا مرارا انهم لن يتركوا ضريحا يزار، وصلتنا من اكثر من جهة مناشدات للتدخل، لم يعد احد قادرا على حماية مقام السيدة زينب، وفي المقابل لا يمكن ان نضمن ردة الفعل على هكذا فعل، تذكروا تفجير سامراء."
حزب الله يعلم ان تدمير مقام السيدة زينب في دمشق سيحرق أي شعرة صامدة بين الشيعة والسنة في زمن أضحى ما بينهم بفعل فاعل دم وقتال...هو يحاصر فتنة قد تكون أسوأ من فتنة نحيى بين غمارها اليوم. أما حول ما  يحكى ويقال عن تململ لدى جمهور حزب الله من سقوط عناصره في سوريا، فلعل كلمة والد احد الشبان الذين قضوا بالقرب من مقام السيدة زينب خير تعبير عما يشعر به عوائل "شهداء الواجب الجهادي." عندما سألته عن رأيه في ما يقال عن عبثية القتال في سوريا قال لي، "إذا كانت المعركة مع إسرائيل هي معركة بدر، فإن الدفاع عن الأضرحة المقدسة بقدسية كربلاء، يكفيني فخرا ان ولدي إستشهد كما العباس بن علي وهو يدافع عن زينب."


ليست هناك تعليقات:

Al-Mayadeeen Feeds