الثلاثاء، 22 ديسمبر 2009

الازمة المالية : الاغنياء يريدون اكثر


كتب حسين نورالدين

22/12/2009

 

ان احد وجوه الازمة المالية الحالية في دبي له طابع انساني يتعلق بالنظام الاقتصادي المسيطر على العالم ، وهو النظام الرأسمالي .

بكل بساطة ، ان الارباح التي توقع الاغنياء جنيها في هذه الفترة لم تحصل ، وتدنت نسبة الارباح الى الاستثمارات . بمعنى اخر ان الاغنياء لا يشحذون المال ، ولن تجد مدير بنك ، او مالك شركة ، او باني برج ، قد باع سيارته الفارهة واستغنى عن سيجاره الكوبي .

كل ما في الامر انه ينتظر الفرصة المؤاتية ليعيد تموضعه ، حتى تكون فرصة الربح لديه اكبر ، وهو بهذه الحالة لا يهتم ، عند استغنائه عن الاف العمال والموظفين ، ولا يعير وضعهم المعيشي اي التفاتة .

بالطبع ان هذا المستثمر ليس مسؤولا عن تأمين العمل لهؤلاء ، لكنه بالتأكيد بفعل امواله الطائلة مصدر تسبب بالكوارث لكثير من ابناء البشر.

لتبسيط الامر اكثر وعدم جعله نظريا اقتصاديا بحت . افترض ان باني احد الابراج في دبي توقف عن اكمال البرج ، هل هو بسبب عجزه عن الاكمال ، اي الافلاس ؟

قد يكون الامر صحيحا ، لكن في اغلب الاحيان هو غير كذلك . ان تمويل هذه المشاريع العملاقة من البنوك يتم بفائدة يأخذها البنك لحسابه كما هو معروف ، ولسداد هذه الفائدة الكبيرة ، يقوم المستثمر برفع الاسعار ، اي اسعار بيع المكاتب والشقق ، وان كان فندقا فان سعر قضاء ليلة في الفندق سيكون مختلفا عما لو تمتع هذا المستثمر برؤية مختلفة . ولكن ومع انخفاض اسعار العقارات ، انخفض امل المستثمر بالربح من مشروعه ، فهو في هذه الحالة سيبطىء من عملية البناء وانهاء اعماله ، على امل ان تتغير الحالة الاقتصادية وترتفع اسعار العقارات .

وهو في هذه الحالة ليس مفلسا ، وهو سيكمل سداد متوجبات البنوك من امواله الطائلة التي يمتلكها . وهنا هو لن يهتم بالعامل الهندي الذي وفد طلبا للرزق منذ اشهر ودفع ثمن وصوله الى البلد موقع عمله ، حيث يحلم بالعمل ببضع مئات من الدولارات لا تتجاوز الاصابع الثلاث .

يعرف المستثمرون انهم سيؤثرون على هذا العدد من البشر ، ولكنهم ارادوا اولا ان يستقدموهم حين كانت فرصة تغذية اموالهم عالية ، اما في حال تطلب الامر التوقف عن الانفاق حتى يصبح ناجحا فانهم لا يتوانون عن الاستغناء عن الاف العمال .

ان مشكلتنا اننا لا نفهم القيم التي يتحدث عنها الاسلام في موضوع الاقتصاد ، بالرغم من ان من كتب في الاقتصاد الاسلامي لا يتعدون اصابع اليد الواحدة وكل من تبقى يكتبون نسخا او عودا الى هؤلاء .

اورد بعض الملاحظات :

-         حث الاسلام على المبادرة الفردية وقال : من اجر نفسه فقد حد رزقه .

لكن في ظل الرساميل العملاقة اي فرصة تكون للفرد ؟ فلنفترض انك تملك سوبرماركت متوسط الحجم ، وتسترزق منه انت والعمال الموجودين . ماذا لو قام احد المولات الكبيرة الى جانبك ؟؟

بالتأكيد ستخسر عملك بعد فترة وسيخسر العمال اعمالهم او ربما سيعملون في المول المجاور لك .

لن تقدر على مجاراة هذه المشروع العملاق وذلك بسبب عنصر رأس المال الذي لا تملكه . ولنفترض ان عدد من المحال الى جانبك اقفلت ايضا بسبب المضاربة الكبيرة التي جاء بها المول واحتوائه على كل شيء ، الى جيب من تصل ارباح هذا المول ؟؟. الجواب الى جيب عدد محدود من الاشخاص فقط ، اصحاب المول . في الحالة السابقة كانت الارباح تتوزع على كل المحال الموجودة وتعتمد عليها العائلات في معيشتها والاولاد والمدارس التي يتسجل فيها بناؤهم وغيرها من الامور .

قد تقول ان المول وظف عشرات الاشخاص ، نعم هذا صحيح ، لكن ما هي الرواتب التي يتقاضاها هؤلاء ؟ ما هو المستوى المعيشي الذي سيعيشون فيه ؟ هل سيتمكنون من الزواج وتربية ابنائهم وتعليمهم ؟ هل سيستطيعون الوفاء بالمتطلبات الصحية ؟

-         رفض الاسلام الربا ووقف ضده ، اما النظام الرأسمالي هو نظام يعتمد الربا كأحد اهم المقاييس فيه . فاسعار العملات ترتبط بشكل مباشر بالفوائد المناطة بالبنك المركزي اطلاقها ، كذلك فان السندات والاسهم وغيرها كلها تدور في فلك الاقتصاد الربوي .

ما الذي يفرضه هذا الواقع على المدى البعيد ؟

ان فقاعة وهمية من اموال مكتوبة على الورق تنتج عن الفوائد التي يدفعها المعدمون . على سبيل التبسيط (غير غافل عن time value of money) ان بناء بيت قد يكلفك لو امتلكت تكاليفه 40 الف دولار ، لو اردت اقتراض هذا المبلغ من البنك فانه سيفرض عليك فائدة بنحو 12 الف دولار مثلا على عشر سنوات . عندما تنهي بناء بيتك فانك ستطلب لبيعه 52 الف دولار ، لان هذا ما كلفك اياه ، لكن فعليا قيمة المنزل لا تصل الى هذا المبلغ ، والزيادة هذه هي زيادة دفترية فقط ، عملت على رفع سعر بيتك وبيت جارك والمنطقة ، وحرمان المستضعفين والفقراء من شراء المنزل او ان يبدأوا بمبلغ ال 52 الف لبناء منزل جديد واخذ قرض لتعود وترتفع الاسعار والكرة تدور .

-         قام اصحاب البنوك ببناء محافظ ضخمة بالمليارات ، فاضحت المشاريع العملاقة حكرا على هذه المحافظ والشركات الناتجة عنها ، ولم يعد للفرص المتكافئة اي معنى . فانت لن تستطيع ان تدخل في بناء انابيب نفط ولا سكك حديد ولا شبكات الهواتف ، الا اذا كنت من اصحاب الاموال وتكتلت انت ومن مثلك لاخذ هذه القطاعات هائلة الربحية .

-         ان احد اهم مبادىء الاقتصاد هي اعادة توزيع الدخل ، وقد حث الاسلام على الزكاة والخمس من هذا الباب . لكن ما الذي يحصل ؟

ان الاقتصاد الرأسمالي بنى نفسه لتكثف الثروات في مكان واحد ، وهو جيوب اصحاب الاموال ، فاصحاب الثراء يزدادون ثراء ، والفقراء يزدادون فقرا. يبني اصحاب الاموال الفنادق ، تتمتع هذه الفنادق بعوائد عالية ستعود مجددا الى الاغنياء لشراء المنتجعات الفارهة والسيارات وتنمية اموالهم . ان من يمتلك القدرات لشراء التكنولوجيا المتطورة هم الاغنياء ، يشترونها لاعادة بيع خدماتها للفقراء ، فتزداد ارباحهم .

 

 

اكتفي بهذا القدر من التبسيط على امل اكمال الموضوع في مقالات مقبلة .

 



View your other email accounts from your Hotmail inbox. Add them now.

ليست هناك تعليقات:

Al-Mayadeeen Feeds