الخميس، 19 يناير، 2012

سوريا الجديدة


إنه النعي الأخير يكتب بمظاريف الرصاص الملوث بدماء الإخوة، ببقايا لحم متناثر هنا وهناك على إمتداد وطن لم يعد يتسع لكل من فيه، بأصوات غربان تنعق من كل حدب وصوب ترقب صراع ديكة في قفص بإنتظار المنتصر بينهم ليذبح فيما بعد قربانا لعيون الذئب الذي أبكى كل عيون.
ليست القضية اليوم من ينتصر ومن يهزم، ليس المهم من يبقى ومن يرحل، لم تعد المعادلة نظام ومعارضة وأحلاف ومحاور، سوريا تحتضر، ومن لا يريد ان يصدق فله ذلك لكنه يوم إعلان الوفاة سيدفن معها في عين الحفرة التي لن تكون قطعا روضة من رياض الجنة.
مسلحون في سوريا 
 في بلد تغيب فيه عشرات الوجوه إلى الأبد مع كل مغيب شمس، اصبح الثأر دينا وديننا للجميع، أصبح الموت القتل هوية يعرّف بها عن بلد يستحق شعبه الحياة، يستحقها تماما كما شعوب المغرب والمشرق جميعا، كما أهل الخليج وتركيا وأميركا، كما أهل لبنان وإيران والصين وروسيا، يستحقها لأنه شعب حمل هموم الأمة على كاهليه، شعب بكى يوم بكت غزة، وفتح أبوابه يوم أقفلت أبواب العرب بوجه العراقيين، وساند اللبنانيين في حربهم مع إسرائيل يوم عزت النصرة على بعض العرب، وإمتهن بعضهم الأخر الدعارة السياسية مع العدو.
يوم سوريا لم يعد هو المهم، يوم سوريا كمسلسل باب الحارة بجزء وجزئين وأجزاء، ما يهم هو اليوم الذي يلي، يوم ما بعد إقفال باب الحارة، هذا إذا ما بقي باب يقفل!
 ماذا سيتبقى من سوريا، ومن سيبقى من أهلها كل أهلها ليقص على رواد مقهى النافورة اسفل المسجد الأموي حكاية من حكايا ألف معركة ومعركة.
سوريا تبكي نفسها، والدموع اليوم دماء، تبكي حقدا كان دفينا بين أبنائها الذين ينتهكون خدرها. إبن ظلمها وإستضعفها وأستبد بها، وآخر يعدها بجاه ونعيم إذا ما إرتضت ان يكون قوادا لأم يريد لها ان تصبح عاهرة، وصغار الأبناء بين هذا وذاك بارود حرب لن تبقي ولن تذر.
لن يتفق السوريون بعد اليوم، لن يتفقوا حتى على سوريا واحدة تجمعهم، كل يريدها له، له وحده دون الأخر، ولأن لكل سورياه بينهم، فإنها لن تبقى كما كانت، وبدل ان تعود شاما كبرى كما كانت وكما يتوق إليها محبوها، ستفتح هي باب تفتيتٍ هو أسوأ وأخطر من ذاك الذي رسمته أيدي مستر سايكس ومسيو بيكو، إذ ان اي خريطةٍ جديدة ستحمل بدل العلم أعلام وبدل العاصمة عواصم وبدل الشعب شعوب.
يسجدون لصورة بشار الأسد
إنه عصر السورنة ! مزيج من العرقنة واللبننة، بقالب لعله اقمئ وأقذر، عصر مسوخ الأوطان حيث كل دسكرة لها امير ووالي، وكل قرية جمهورية موز تحميها ميليشيات تعتاش على الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، بعضها يتمتم بإسم الله على نحر مخالفٍ للملة وطائفة، والبعض الأخر يسجد للقائد الإله، وفوق رؤوسهم طائرات متعددة الجنسيات تحلق مهمهمة كل حين وأخر تريد نفطا هنا وغازا هناك، تريد مزيدا من الدم على الأسفلت السوري، وكأن ما أريق ليس بكاف، لعلها تشبه النار التي كلما اطعمت سألت بوقاحة هل من مزيد؟!!

مشهد من فيلم الحدود
لعلها نبوءة الراحل الكبير محمد الماغوط في فيلمه الحدود تترجم واقعا مريرا، غربستان وشرقستان وعبد الودود المواطن البريء العالق بينهما بدون جواز سفر.حينها قصد الماغوط امة عربية منقسمة على ذاتها، لم يظن لبرهة ان صورة غربستان وشرقستان تقهقرت من مستوى الأمة إلى مستوى الوطن وأنه وبعد عقود ثلاثة بالتمام والكمال يستعد من يهمهم الأمر لوضع مسطرة وقلم للبدء في رسم الحدود الجديدة لكيانات لن نجد على حدودها رجلا كعبد الودود، فلا مكان لأمثاله هنا،  ولا لمقهى كمقهاه، فما من مساحة في دويلات الشام الجديدة المفترضة تتسع حتى لتلاقي النظرات بين اخوة التراب وأعداء السلاح.



هناك 3 تعليقات:

غير معرف يقول...

شكرا كثيرا استاذ على حقا هذه المقالة اشعلت فى قلبى حزنا شديدا لما هو اّت اعرف ويعرف الجميع أن الوضع جدا سئ بسوريا ولكن ما رسمته سيدى فى مقالك اسوء وأسوء من المتوقع فيارب اجعله أقل مما تتوقع وأخيرا اتمنى أن تستمر بنشر مقالاتك على المدونة لأن اراءك سيدى مهمة فأنت من أوائل من قال أن تورة سوريا عأبواب حرب أهلية وكان ما قلت ونتمنى منك سيدى أن تبدى اّراءك حول الأوضاع بليبيا ومصر وتونس لننعم بهذه الاّراء وأخيرا كما بدأت شكرا

وطنى الغالى العائلة يقول...

التعليق السابق ل وطنى الغالى العائلة مشترك من الفيس

blogger يقول...

شكرا لمروركم الكريم، كم أتمنى ان اكون مخطئا، لكن للأسف هذا هو الواقع المر

Al-Mayadeeen Feeds