الثلاثاء، 21 مايو، 2013

ثمن التحرير

علي هاشم

عند آخر حبة تراب لبنانية على الحدود مع فلسطين المحتلة، أقف وابنتي التي قاربت السابعة لأخبرها أني يوم كنت في سنها ما كان بإمكاني زيارة قريتي لأنها كانت تحت الاحتلال الاسرائيلي. كم هو صعب ان تشرح لمن لم يختبر سوى الحرية عن الحياة تحت الاحتلال. كم هو رائع ان جيلا لبنانيا كاملا ولد وتربى وترعرع حرا. انه جيل التحرير.
جيل لم يعرف المعابر وميليشيات العملاء. لم ير من معتقل الخيام الا الجانب التاريخي، لم يسمع عن انطوان لحد. عقل هاشم. الجلبوط. فوزي الصغير. حسين عبد النبي وغيرهم، اللهم الا بعض قصص نرويها لهم عن ماض يشبه حكايات أجدادنا وجداتنا عن «سفر برلك» وغيرها، برغم ان التحرير لم يبلغ الحلم بعد وما زال فتيا في الثالثة عشرة من عمره، برغم انه كان بالأمس فقط.
هناك من يريد للتحرير ان يصبح عجوزا في عز يفاعته، كما كان يريد له ان يسقط جنينا إبان المخاض الأليم. 
ولد التحرير ابنا شرعيا لزواج الشعب والمقاومة، ولد رغما عن أنف اسرائيل ومن يلفون لفها. ولد ليحيا ويستمر عبرة لأولي الألباب ومثالا يحتذى. ولد لأن نطفة كهذه لا يمكن ان تموت، ولأنها كذلك، كان لا بد من ثمن، وان كان دُفع دما، وأسرا، ودماراً، وان كان دُفع مسبقا، كاملا، قاسيا.
من انتم ايها الجنوبيون لتكونوا أحرارا؟ من أنتم؟ علا صراخ المتألمين، والألم لم يقتصر على اسرائيل. حتى بعض أولئك الذين ادعوا الرقص فرحا، كانوا يقفزون من الألم. من انتم لتهزموا اسرائيل؟
منذ العام ٢٠٠٠ وحتى اليوم لم يمر على المقاومة يوم ترتاح فيه، كانت أيامها وما زالت مزيجا من الأزمات والألغام والمؤمرات. سابقة كسابقة التحرير، يجب ان تمحى من الأذهان، وتلك المجموعة التي أصابت حيث عجز كل العرب لعقود من الصراع مع اسرائيل، لا بد ان وأن تهزم. 
بدأت الأصوات المطالبة بسحب السلاح. أصوات قديمة جديدة لم تغادر مواقعها يوما على يمين اليمين، حينا ترفع شعارات سحب الذرائع وحينا الدولة داخل الدولة، كل هذا وأسرى لبنان خلف القضبان الإسرائيلية. أي نقاش كان دوما يواجه بأمثلة عن نجاعة المفاوضات وعبثية السلاح. مجددا ينجح السلاح ويفشلون، يخرج الأسرى الا واحدا. نصر جديد. أرض حرة. إنسان حر. النموذج يحفر في الوجدان والمحيط يزداد إحراجا.
كانت المقاومة في هذه الأثناء تزداد قوة وتأثيرا وتسليحا. في المقابل، لم يعد الأمر يحتمل لعبا محليا، آن أوان التدويل. ١٥٥٩ هو رقم قرار أُريد له شرعنة المطالبة بإسقاط المقاومة. اجتمع من اجتمع لأجله، وتوهم واضعوه انه المخلص. مجددا لا فائدة. المقاومة تزداد قوة ومتانة، وكأن لا قرار دوليا ولا من يقررون.
كان مشهد الجنوب المحرر مستفزا للإسرائيليين. القرى التي ظلت حتى بضع سنين مضت محتلة، باتت تسهر حتى الصباح لا على أصوات القذائف وهدير الطائرات، بل على طمأنينة غير مسبوقة بجوار فلسطين. فأبناء الجنوب المحتفون دوما بحريتهم يعلمون ان عيونا ساهرة تحمي سهرهم وسحرهم وحقولهم العامرة حتى آخر سياج.
عقدة حزب الله لم تجد لها حلا، والحزب أضحى بين تحرير وتحرير أكثر نضجا وتعقيدا، ارتفع منسوب الخطر الاستراتيجي على اسرائيل، انتهى بذلك زمن الحرب الناعمة.
في ١٤ شباط ٢٠٠٥ بدأ عصر جديد. سقط رفيق الحريري شهيدا. لم يكن احد حينها يدري ان البلاد ستدخل من لحظة الانفجار في حفرة تشبه تماماً تلك التي خلفها. ان كانت المقاومة تحتمي بسوريا، فتلك الأخيرة قتلت الحريري. اريد للاغتيال أن يضع لبنان على سكة حرب جديدة، هدفها فك الارتباط بين حزب الله وهويته اللبنانية العربية الإسلامية وتحويله الى جماعة شيعية في مواجهة السنة اللبنانيين ابتداءً، تمهيدا لصراع مذهبي محموم.
تدرج الاتهام شيئا فشيئاً، وقبل أن يصل الذروة بتوجيه الأصابع الى حزب الله، اشتعلت حرب تموز ٢٠٠٦. ظنت اسرائيل أنها بحرب كهذه ستقطع رأس الحزب، او على أقل تقدير ستتركه جريحا تنهشه الضباع، لم تكن للحظة تظن أنها ستعطيه مجددا فرصة هزيمتها بشكل أكثر اذلالا ودفعة واحدة لا بالتقسيط. 
أذكر قول اعلامي عربي كبير بعيد الحرب: «انتصار تموز تاريخي، لكن حكام العرب لن يسمحوا ببقائه في الذاكرة، سينسفونه». 
أضحى الثمن أكبر، واصبح الثأر أقسى. تحرير فانتصار. التأديب صار ملحا. الحرب الجديدة، وكما تنبأ لها الاعلامي العربي، تصدت لها دول عربية بأموالها وإعلامها وسلاحها. كان الهدف قطع الحبل السري بين المقاومة وجمهورها العربي بالعودة مجددا للنغمة الطائفية. بتصوير حزب الله بعبعا مذهبيا لا بطلا وطنيا او قوميا. وبينما الخناجر تواصل طعناتها في الظهر، اغتالت اسرائيل الشهيد عماد مغنية، أسطورة المقاومة لا بل ايقونتها.
سجلت اسرائيل «انتصارها الأول»، لكنها لم تجرؤ حتى على الاحتفال به. ظنت لبرهة ان من عاش طوال هذه السنين شبحا سيموت بهدوء وان الحزب سيجاريها بعدم الجرأة في الاعتراف، هكذا يكون الاغتيال السري لأكثر الشخصيات سرية، رسالة خفية لا يفهمها سوى من يعنيهم الأمر. مجددا أخفقت اسرائيل وهي في قمة نشوتها. اغتيال عماد مغنية فتح أبواب الجحيم الخفية.
لم يبق ما لم يجرب، محاولة تفكيك شبكة اتصالات المقاومة، الاتهام المباشر باغتيال الرئيس الحريري. الادعاء من اللحظة الأولى للثورة السورية بالتدخل. الضغط على بيئة المقاومة في الداخل والخارج ماليا وعمليا. القول بالتورط في تفجيرات ومحاولات تفجير حول العالم، والمسلسل يستمر.
ثمن التحرير باهظ، ثمن الوقوف عند آخر حبة تراب مشتركة مع فلسطين المحتلة لا يعادله شيء. ثمن ان يكون لدينا جيل محرر لا يعرف ذل الاحتلال. اسرائيل تريد رد اعتبارها وهيبتها، تريد الاحتفال مجددا بلقب الجيش الذي لا يهزم. كل هذا مفهوم، أما العرب... فماذا يريدون؟
حال بعض العرب في حربهم على المقاومة كحال متعرٍ لا يريد ان يستر عورته بل تبرير فعلته بالقول إن كل من حوله عراة. إن من يرتدي ثوب النصر لا يعرى أبدا.

ليست هناك تعليقات:

Al-Mayadeeen Feeds