الجمعة، 13 سبتمبر 2013

لا تستحمرني، أرجوك !

ان ترى ورقة "ملفوف"، نعم ورقة ملفوف عادية كتلك التي تستعمل في الطبخ، ان تراها على صفحة فايسبوك وانت موقن بأنها ملفوفة، ثم تجد من يقول لك ان يقينك بـ "ملفوفيتها ليس مشكوكا فيه فحسب، إنما هو محض خطأ، عندها إعلم انك تتعرض لشيء ما. لعلها إستراتيجية رفع السقف في النقاش، يقين يقابله نفي تام ليصل صاحب المصلحة إلى مأربه بزرع الشك في قلب الموقن.
القصة أعلاه ربما كانت محدودة التأثير، أي انها لا تغير في واقع حياة أي من المئتين ونيف الذي دخلوا في سباق إجابات بدأت بيقين بريء يشبه إجابات الأطفال التي لا تحمل إلا الصدق، لأن الحقيقة واضحة ولا تحتاج اساسا لأي تحليل أو تأويل، حقيقة صرفة مثبتة بصورة واضحة لا مجال للبس فيها، لكن اللبس دخلها بمجرد النفي المطلق للحقيقة التي أمامنا، فبدأت الإجابات تتحول من الملفوف إلى أمور أخرى، رغم إستمرار إصرار مجموعة من المشاركين على انها ملفوفة.
لعل هذا أفضل إختبار لما نمر به في أيامنا هذه، لكن على مستوى أكبر وأوسع، على مستوى أمم ودول وسياسات وحروب، فيكفي ان تناقش وسيلة إعلام واحدة في يقين ما ليتحول من نقطة إجماع منطقية على ما هو عليه إلى مادة للجدال والخلاف ومن ثم التحارب ربما، وتبدأ الدماء بالسقوط. الإعلام بجميع تشعباته، مرئيا، مسموعا، مكتوبا، إلكترونيا، إجتماعيا، سم ما شئت، يلعب هذا الدور، وهو بالمناسبة وبغض النظر عن الخلفيات التي قد تكون وراء أي طرف كان ليقوم بذكل، هو دور قذر لا يهدف سوى لتضليل الرأي العام، فيظهر الخير شرا والشر خيرا، والحق باطلا والباطل حقا. إنها يا كرام معركة قديمة تعود في التاريخ إلى يوم وجد الحق والباطل، وهي تتطور بحسب تطور الحياة، فهي كانت يوما تمارس بالنقوش والرسوم، ثم أصبحت تستعمل فيها الكلمات والحروف، للتحول لمادة لقصائد المدح والهجاء، وأدخلت على الدين، على جميع الأديان، غزت الكتب، ثم وجدت ضالتها في الصحافة والإعلام، وهاهي معركة التاريخ تخاض اليوم على صفحات التواصل الإجتماعي وشاشات التلفزة والإذاعات.
أدعي ان لي خبرة مقبولة في عالم الصحافة والإعلام، وأدعي اني في مناسبات مختلفة كان لي فرصة ان أشهد على أحداث غير مجرى العالم، لكن تصوروا أني حين أحاول العودة إلى هذه الأحداث عبر الإعلام والصحافة، اجدني احيانا منساقا لتصديق روايات تتناقش مع ما رأيت وما سمعت وما شهدت، لأعود وأستجمع ذاكرتي وأعيد ترتيب أفكاري وبذلك لا أقع فريسة السطوة المرئية المسموعة على ذاكرتي وبصري وسمعي، هذه السطوة التي تنجح كل يوم في السطو على عقولنا وأفكارنا وإستحمارها، وعذرا هنا للتعبير.
نحن نستحمر، وعلينا رفض ذلك، بقياس ما نسمعه وما نراه إلى المنطق، إلى الواقع الذي نعيشه، إلى اليقين الذي في صدورنا، إلى عقلنا الذي لا يجب ان يميل إلا مع الدليل. نحن نستحمر بأدوات تشبهنا ولا تشبهنا، بمحللين وصحفيين وسياسيين يعبرون عن أرائنا ويختلفون معها، برجال دين يقدمون الدين بأسوأ صورة، يبررون الكذب والخداع وسيلة لغاياتهم، رغم ان مكارم الأخلاق هي التي جاء الدين ليتممها. فالغايات مهما سمت، حتى لو كانت السماء، لا تبرر الكذب والخداع، لا تبرر إستحمارنا.

الصديق دانيال أغا بملفوفته التي لا يتخطى ثمنها الدولار الواحد، لم يكن يقصد لا سمح الله خداعنا، لكنه زعزع يقيننا بيقيننا، زعزع الثقة بأبصارنا، فما بالكم بملايين الدولارات التي تصرف هنا وهناك، لكن ليس من أجل الملفوف بل من اجل "لف" عقولنا وأبصارنا بما يريد أصحاب رؤوس الأموال ومن يقف خلفهم.

هناك تعليق واحد:

Maroun Assaf يقول...

لا تستحمرني ارجوك!!!
لا تلفلفلني ارجوك
لا تلفلف عقلي ارجوك
لا تلفلف ضميري ارجوك
لا تلفلف ارجوك
لا تلفلف الانسان ارجوك
فلفلفة الانسان وعقله وضميره...
ليس فقط استحمار لا بل هو استحشار
لذا لا تستحشرني ارجوك!!!!

Al-Mayadeeen Feeds