السبت، 30 أكتوبر، 2010

الحكمة أم المحكمة



نصري الصايغ

في لحظة من لحظات البراءة، ينتابك شعور بأن عالماً فاضلاً، ممكن التحقيق. بعض هذه اللحظات، أنتج جمهورية فاضلة، رسم مثالها أفلاطون، ومدينة فاضلة أرسى دعائمها الفارابي، وعولمة فاضلة نقح صورتها الكاتب الفرنسي غيّوبو. 
لم تغب عن مخيلة البشرية، أحلام السلام الشامل. أديان وأنبياء، بشروا به. فلاسفة وكتاب عملوا من أجله. حتى ايمانويل كانط صدّق امكانية ذلك، فقدم شرعة سلام. وبعدما ذاق العالم أهوال الحرب الكونية، كتب سيغموند فرويد وبرتراند راسل وأينشتاين رغباتهم بقيام نظام عالمي، يحفظ السلم ويقيم العدالة.
وحده ماكيافيللي كان على حق. حسم المسألة بوضوح، وجزم بشكل مبرم: لا علاقة للسياسة بالأخلاق. السياسة شيء والأخلاق أمر آخر. ربط السياسة بالأخلاق، نفاق مستتر. اضفاء القيم على السياسات، فضيحة. السياسة، مصالح لا حقوق، قوى لا جمعيات خيرية، سلطة لا هبة فيها... حتى الديموقراطية، أفضل الأسوأ، تحولت في العقود الأخيرة، إلى حكم الشركات الكبرى، العابرة للأوطان والسلطات والحكومات وصناديق الاقتراع، والعابرة للأخلاق وحقوق الإنسان. وباسم هذه الديموقراطيات، ارتكبت جرائم، أبرزها ضحايا السوق وعقيدته القاتلة، كل ثلاث ثوان، طفلاً، بسبب الجوع. وليس مبالغة اعتبار الأمراض والمجاعات المنتشرة في العالم، نوعاً من المحارق المستدامة، وفق تصورات الكاتب السويسري جان زيغلر. 
ما لنا ولهذه الأفكار السوداء. لنعد إلى الطوباوية الجميلة، واليوتوبيات الرائعة، ونتخيل عالماً بريئاً، تسود فيه العدالة، لا يقود فيه الذئاب نعاجهم، ولا الصيارفة أخلاقنا. 
مثل هذه اللحظة من البراءة، تفترض تخيلات مشتهاة. كأن تبدأ بتطهير تصورك للعالم المشتهى، من المرتكبين. فتتصور أنك دشنت السجون، باعتقال القتلة المجرمين، لاعادة تأهيل ضمائرهم، ليشعروا بعذاباتها، بتلقينهم دروس الندم على ما ارتكبوه. لتُشعرهم بأن تأنيبهم لأنفسهم هو الجحيم. 
تخيل عالماً، يُلقى فيه القبض على جورج بوش الأب والابن معاً، وعلى حاشية من الخبراء والوزراء وقادة الأسلحة والشركات. لنتخيل أيضاً، أن عالما صحا ضميره، فقرر اعتقال بن غوريون في قبره، وأنزله في زنزانة يعترف فيها بما ارتكبه من ترحيل مجرم وتوطين مسعور في أرض فلسطين، على أن يكون جيرانه في الزنزانات الأخرى، دايان ورابين وبيغن وشامير ونتنياهو وباراك و... أن يطلب منهم تفكيك عقيدتهم ومستوطناتهم. لنتخيل، جاك شيراك، وراء القضبان، لفساده المستشري، إبان رئاسته لبلدية باريس. لنتخيل عدداً من حكامنا الكثر ومن قادتنا العرب، قد تم تعيينهم سجناء في الربع الخالي العربي. لنتصور قضاة ومحققين فاسدين قد حُكم عليهم، بعد ضبطهم بجرم الزور. لنتصور سفاحي الأسواق المالية، قد أُدخلوا مصحات لتربيتهم على فضائل الفقر والحاجة والعوز. لنتصور وزراء ونواباً ومدراء، من العالم كله، قد تم توضيبهم في مؤسسات مكافحة الفساد والإفساد، لنتصور أننا اكتشفنا، بصدق وبيّنة، من قتل الحريري ورفاقه، ومن قُتل من قبله ومن سيُقتل من بعده، لنصبّ غضبنا الشعبي (لا الطائفي) عليه. 
تلك اللحظة من البراءة لن تحضر أبداً. ممنوع أن تكون طيباً. غير مسموح الا تكون ضحية. هذا هو العالم.
وبناء عليه، ما يحتاج اليه لبنان اليوم، هو العدالة. لكنها غير متوفرة وغير ميسورة. ما يحتاج اليه اللبنانيون، هو الاقتصاص من القتلة والمجرمين الذين سفكوا دماء رجالات كبار من عندنا. لكن قوس المحكمة يحتاج إلى تصويب ميزان عدالته المختل. 
وبناء عليه، لبنان بحاجة إلى النجاة، من ظلم جديد، يُرتكب باسم العدالة. فأي عدالة، تطلع من كُم أميركا، أو من فم رايس، أو فيلتمان؟ أي عدالة خرساء عمياء مشلولة، إزاء كل ما يحصل في فلسطين؟
وبناء عليه كذلك، العالم محكوم بالقوة، فإن لم تكن قوياً، أكلتك ذئاب الأمم. وما يحتاج اليه لبنان اليوم، هو قوة تمنع عنه غدر العدالة. 
وبناء عليه أيضاً، صارت المحكمة في لبنان، داخل معادلة القوى المتصارعة حولها. والحسم فيها للأقوى. فإما أن تحكمنا المحكمة الدولية، وإما أن تحكمنا الفوضى، ومن يدري، فقد تحكمنا الحكمة. 
فخذوا الحكمة من أفواه العقلاء، ولو مرة واحدة. ورأس التعقل، عدالة السلم الأهلي.

ليست هناك تعليقات:

Al-Mayadeeen Feeds