الأربعاء، 7 يناير، 2009

نقطة نظام: طفلي طفل غزة


إنها الحياة، التي تستقبل وتودع في آن...تفرح وتحزن في آن، ترزق وتنكب في آن...هو صدى الصرخة الأولى لطفل يولد بعد شهور من الإنتظار، بعد ساعات من العذاب، لتبدأ مع ولادته رحلة الذكريات، صورة من هنا، وحدث من هناك، وشيئا فشيء يكبر أرشيف الأحداث، ويكبر معه مدى التعلق بالوافد الجديد.ربما في لندن، حيث رفاهية العيش بأخطار أقل، يسمح للطفل أن يعيش طفولته، وللأهل التمتع بولدهم، كحالي الأن مع طفلي الجديد وإبنتي الكبرى.....في مكان أخر من العالم، حيث وزر الأخطار يثقل كاهل الأنام، أطفال تكبر، إذا ما كبرت، لينتهي بها المطاف رقما يضاف إلى عدد القتلى...هناك لا محل لألبوم الصور إلا على شاشات التلفاز تعرض صور الجثث، والذكرى التي تبقى هي أن الطفل فلان إبن فلان كان بين الضحايا...

تعود بي الذكرى إلى ذلك اليوم المقيت أواخر تموز 2006، يوم مجزرة قانا الثانية....كان المشهد أشبه بغزة اليوم، كنت يومها أغطي الحرب للمنار، وإبنتي مليكة لم تكن قد تجاوزت من العمر الشهر والنصف. كنت أجول بين الجثث وأنقل الحدث بصوتي على الهواء أعد من سقط، أربعين خمسين أو ربما ستين، لا أدري، حتى الأرقام المفردة سقطت من بالي، وحولت كما غيري من البشر أطقال حملت بهم أمهاتهم، وأنتظرتهم عائلاتهم شهورا وليال، حولت بدون قصد، سهر الامهات على الحمى لترتفع عن صغارها، حولتها كلها إلى مجرد أعداد، نسفت ظهور أول الأسنان، ولحظة المشي الأولى، وكلمة ماما، وذكرى أول عيد ميلاد، وأول يوم في المدرسة، لدى كل هؤلاء إلى عدد، أربعين، خمسين، او ربما ستين.فجأة وبدون مقدمات، وبينما أنا أتابع السرد، خيل لي وجه إبنتي في أحد من سلبته دون قصد حقه في أن يكون فردا. فجأة إستفقت على الهواء مباشرة، وأظن أن بعض زملائي في المنار لا يزال يذكر صوتي أقول : يا الله لا لا، لأنفجر بالبكاء وأقطع الخط قصدا....لحظتها فقط إستفقت، تذكرت أن من قاتل هؤلاء أراد لهم أن يكونوا أرقاما، سلبهم حقهم بالوجود ولو أمواتا..طفل غزة اليوم، كطفلي كأطفالكم جميعا، ليس عددا يضاف إلى أعداد، ليس نكرة يعرف عنها برقم، هو كتاب تاريخ لإمرئ كان يمكن أن يكون بيننا الأن، لمبدع بالقوة لفنان، لطبيب ينقذ المرضى، أو كهربائي يشعل الأنوار، لمعلم يربي الأجيال، أو محامية تدافع عن المظلومين...هو قطعة من قلب أب وأم رأوا فيه ماضيهم والمستقبل والحاضر، هو جزء من مسيرة وطن مصيره ولو لون بالدم الإستقلال، هو عنصر من عناصر البشرية لو قدر لو الحياة، لربما إخترع أو إكتشف ما ينقلها من مكان إلى اخر....
طفل غزة هو طفلي هو طفلكم جميعا، فلا تسلبوه الحياة ولو شهيدا......

ليست هناك تعليقات:

Al-Mayadeeen Feeds