الثلاثاء، 14 أبريل، 2015

ﻷنك من هنا....أنت كما أنت! #حسان_شعبان @alshaaban


حسان شعبان

يوهوكا، شاب ياباني ثلاثيني، تتشابه ايامه و طقوسه بشكل دقيق ضمن مواقيت محددة. يستيقظ باكرا جداً.  يقبل زوجته على خدها الايسر و يبتسم لها ابتسامة عريضة تعبر عن رضاه و سعادته الدائمة، يرتدي ملابسه، يصطحب ابنه الوحيد الى مدرسته و يذهب بعدها مباشرة الى عمله. يجلس على كرسي مكتبه و يحتسي  قهوته الصباحية وهو يرد على رسائل بريده الإلكتروني التي تراكمت ليلة الامس . ما ان ينتهي من ردوده حتى يشرع في عمله اليومي المثقل بالمهام، فعليه وضع خطط لموظفيه في دائرة  الجودة في معمل الالكترونيات الذي يعمل به كمدير للجودة و عليه
متابعة تنفيذ الاهداف المرجوة و متابعة التقارير التي تصل من مختلف دوائر المعمل بالإضافة الى فروع المبيعات الموجودة خارج البلاد. 
دوام عمل يوهوكا بحسب قوانين الشركة تسع ساعات لكن سجله يظهر انه يمكث في مكتبه لأكثر من  اثني عشر ساعة يوميا. فحتى لو انتهى من العمل المطلوب في ثماني ساعات يقوم بتدريب عناصره على اليات عمل مستحدثة لتطويرهم او يساعد زملائه في اعمالهم. العمل لساعات طويلة  عادة اكتسبها من والده الذي زرع به حس الولاء و التفاني الذي كان كسائر ابناء جيله يؤمن  بان العمل وحده هو السبيل لتتطور و ريادة اليابان و هو الامل في ازالة اهداف و تبعات  الحرب  التي كانت ستجعلهم هامشيين على خريطة العالم الاقتصادية. يشعر يوكوها بانتماء كبير لمؤسسته، و يزداد ولائه يوما بعد يوم دون ان يحول اعتراض مديره العام الدائم على اداءه ووسمه بصفة المتقاعس و الكسول لأنه يحسبه قليل الانتاجية كونه يغادر باكرا دون ذلك. يوكوها لم يفكر يوما في ترك المصنع ولا يكترث لزوجته التي تحثه على دراسة العروض التي تأتيه من الخارج  براتب خيالي و ببدلات عمل اضافي مدفوعة على عكس مكان عمله الحالي الذي لا يدفع لموظفيه  بدلات عمل اضافي كحال جميع المؤسسات اليابانية التي تعتبر العمل الاضافي جزء من العمل كون الموظف لم ينجح في اتمام مهامه بالوقت المحدد. 
يوكوها ليس حالة فريدة في اليابان. كثيرون امثاله من مدمني العمل اللذين يعتبرون عملهم واجب وطني قومي . هم لا ينتظرون بدلا ماديا او معنويا هدفهم الأول خدمة مؤسساتهم في سبيل خدمة اقتصاد و تطور بلدهم.
في اليابان، تسقط النظريات الحديثة لعلم شؤون الموظفين و تغدو المحفزات و اساليب الثواب و العقاب مجرد وجهة نظر .
لكل مجتمع نظرياته و مبادئه التي ينتهجها و لكل بلد سلوكيات خاصة للموظفين تتلائم مع سيكولوجية افراده . لا توجد قاعدة واحدة ثابتة تصلح لكل زمان و مكان في إدارة الموارد البشرية. فما يصلح في اوروبا و اميركا قد لا يصلح في عالمنا العربي. ان الازدواجية التي يعاني منها الفرد العربي تنعكس بالضرورة على سلوكياته بالعمل. فما اثبتته التجربة الاوروبية بان تخفيض ساعات العمل الاسبوعية يؤدي الى زيادة بالإنتاجية و رفع نسب الكفاءة قد لا ينطبق على الحالة اللبنانية وقد يؤدي الى خفض الانتاجية و الحد من الفعالية بشكل دراماتيكي. و اعطاء مساحة كبيرة من الحرية للموظف اللبناني قد تؤدي الى تسيب و تخبط بالعمل بدلا من ان تخلق ابداعا و تميزا عند الموظف.
فاللبناني الذي لم ينجح في الاستفادة من الحرية لصنع ديمقراطية تؤسس لبلد قوي لن يوظف الحرية في مؤسسته في غايات ايجابية و اللبناني الذي لم يتفق على تعريف واضح لمعنى المواطنة لا يعول عليه في صقل حس الانتماء الوظيفي. و اللبناني الذي يتفنن و يجاهر  في خرق القوانين و الأنظمة لن يحترم آليات و انظمة العمل الداخلي لمؤسسته حتى لو كانت تصب في مصلحته.
لربما يكون الحل الانجع للموظف اللبناني هو بالمدير الثعلب الذي يتقن تدوير الزوايا و الحد من ذرائع الموظف و خلق جو خاص لبيئة العمل تتناسب مع سيكولوجية الفرد اللبناني.

ليست هناك تعليقات:

Al-Mayadeeen Feeds