الخميس، 25 يونيو، 2009

الشيعة ولبنان

 واصف عواضة - "السفير"

يشعر المسلمون الشيعة في لبنان اليوم، وأكثر من اي وقت مضى، أنهم مواطنون لبنانيون بالفعل لا بالقوة (وفق نظرية المنطق). لم يكن هذا الشعور سائداً لديهم قبل ثلاثة عقود، نتيجة التهميش الذي عاشوه طويلاً في هذا البلد. ولم يكن اتفاق الطائف هو السبب الرئيسي الذي جعلهم يشعرون بالمواطنية، ولا زوال بعض الحرمان الذي تحقق بفعل طاقاتهم الاغترابية او مشاركتهم في السلطة هو الذي دفعهم الى مغادرة شعور العزلة والتهميش. هناك سبب آخر جعل الشيعة يتمسكون بلبنان ويعشقون أرضه وترابه ويعتبرونه وطناً نهائياً لا بديل عنه، يتقاسمون خيراته مع مختلف أشقائهم اللبنانيين من دون استئثار او غلبة.
ليس مبالغة القول إن المقاومة هي التي صنعت من الشيعة اللبنانيين، لبنانيين وطنيين بالفعل، وبفضلها لم يكن الشيعة اللبنانيون أقرب الى لبنان منهم اليوم. وواهم من يعتقد ان عامل القوة والتفوق العسكري هو الذي أحدث هذا التبدل، بل هناك أمر اسمى من ذلك، لعله ضريبة الدم التي دفعوها من اجل لبنان خلال العقود الثلاثة الماضية.
بات الشيعة اللبنانيون يعشقون ارض لبنان ويقدسون ترابه، تماماً كما يقدسون تراب أئمتهم في كربلاء والنجف ومشهد وغيرها. ففي هذا التراب يرقد شهداؤهم، وفيه سالت وتسيل دماؤهم، وينبت زرعهم، ويمتلئ ضرعهم. وعلى هذه الارض تتعزز كرامتهم، وينتفض عنفوانهم. ووراء كل صخرة في جنوبه ثمة حكاية تروى في مقارعة الاحتلال الاسرائيلي، ولسوف تتداولها العامة والخاصة جيلا بعد جيل.
ليس اكثر ما يؤذي ويهين ويجرح شعور الوالدين في عائلة شيعية، من ان تُنسب شهادة ابنهما على تراب لبنان في مواجهة العدو، الى أهداف وغايات خارجية، سورية كانت أم إيرانية أم غير ذلك. فالشيعة اللبنانيون يقرأون تاريخهم جيداً، ويعرفون ان نضالهم ضد الاستعمار في لبنان بدأ قبل ان تستقل سوريا، وقبل ان تولد الثورة الإسلامية في إيران. ومؤتمر وادي الحجير في التاريخ القريب يشهد على ذلك، وتلك هي سيرة الشهيد الاول والشهيد الثاني في التاريخ البعيد ماثلة في أذهانهم.
يعرف الشيعة في لبنان جيداً انه في 24 نيسان عام 1920 أطلق العلامة المجاهد عبد الحسين شرف الدين في وادي الحجير، برنامج المقاومة ضد الاستعمار وضد تقسيم الوطن العربي ودعماً للحكم الوطني العربي، بحضور علماء وثوار جبل عامل، وبينهم المناضلان أدهم خنجر وصادق حمزة. وعندما جاء الإمام موسى الصدر الى لبنان في الستينيات وحرك همم الشيعة في المقاومة ضد إسرائيل وعدوانها المستمر، إنما كان يستند الى هذا التاريخ المجيد. وفي كنف موسى الصدر على أرض لبنان، عاش معظم قيادات الثورة الإسلامية الإيرانية. ويعرف الإيرانيون أنفسهم فضل بيروت والضاحية والجنوب وبعلبك على هذه الثورة، وليس غريباً أن يبادلوا الوفاء بالوفاء لمقاومة نبيه بري ثم حسن نصر الله، وكذلك محمد مهدي شمس الدين ومحمد حسين فضل الله وعبد الأمير قبلان وغيرهم وغيرهم (مع حفظ الألقاب).
وبعد، لا خوف على الكيان اللبناني من الشيعة اللبنانيين. قد تكون مشكلة الشيعة في لبنان انهم لبنانيون فوق اللزوم، فلسطينيون فوق اللزوم، عروبيون فوق اللزوم. ولا لزوم للشيعة في لبنان ولا لمقاومتهم عندما يصبحون لبنانيين وفلسطينيين وعرباً «تحت اللزوم».
إن هذا الكلام لا ينم عن تعصب او تمذهب او تطيف. فكاتب هذه السطور لا طائفي ولا مذهبي، لبناني فلسطيني عروبي «فوق اللزوم»، يعرف أهله جيداً، ويؤمن جداً بثقافة الحياة والاستقرار .. ولكن بكرامة . ويؤمن أن أكثر ما يهدد كيان لبنان هو التشكيك والعزل والانعزال... والله على ما نقول شهيد!

ليست هناك تعليقات:

Al-Mayadeeen Feeds