الجمعة، 14 أغسطس، 2009

يوم مروحين.. «بلغت القلوب الحناجر»

 
علي هاشم
 
صباح الخامس عشر من تموز لم يكن يختلف عن الصباحات التي مرت منذ بداية الحرب، مجموعة من المجازر هنا وهناك، لكن البارز كان اقتراب القصف من صور، حيث قطعت الطريق بين المدينة والقرى المحيطة بها من خلال إستهداف الطرق والجسور.
كنا نتابع الأمور عن كثب ونتحرك في حدود إمكانيات الحركة.
رن هاتفي الخلوي، كان مدير الأخبار في قناة المنار على الجانب الآخر، كان يستفسر عن مجزرة مروحين وعن إمكانية ذهابي إلى هناك.
شرحت له الوضع في المنطقة لكني وعدته بالعمل سريعا على التوجه إلى مروحين أو أقرب نقطة.
تحركنا فورا الزميل حسن برجي يقود سيارتنا الرباعية الدفع وأنا بجانبه، لم نكد نقطع أمتارا قليلة حتى استهدفت غارة إسرائيلية منطقة الشواكير جنوبي صور، كنا نبعد أمتارا فقط عن الغارة لحظة حصولها.
سلكنا طريقا فرعيا أوصلنا إلى طريق صور الناقورة العام وانطلقنا على صوت الغارات ومشاهد التدمير.
رائحة الموت كان تزكم أنوفنا وكلما ابتعدنا عن صور كان الشعور بالاقتراب من الموت يزداد.
لطالما سمعنا عبارة «بلغت القلوب الحناجر»، على الاقل بالنسبة لي لم تكن مفهومة بالقدر المطلوب، لكن في ذلك اليوم جربت معنى أن تعانق الحنجرة القلب وكيف يُرى الموت بأم العين.
وصلنا إلى مفترق بلدة المنصوري ولم نكن نبعد إلا كيلومترات قليلة عن البياضة، حيث وقعت المجزرة، كان صوت القصف يزيدني رعبا، لكني كنت مصرا على الوصول، ولم يمنعنا من ذلك سوى مسعف من الدفاع المدني كان يقود سيارة الإنقاذ بسرعة جنونية، حاولت إيقافه لسؤاله عن الطريق إلى مكان المجزرة، فكان جوابه سريعا وقاسيا، وأصر علينا أن نعود أدراجنا لأن القصف يستهدف كل شيء حتى الإسعاف والأمم المتحدة على حد قوله.
قررنا أن نعود بالرغم من أننا كنا على وشك الوصول، لكن سلامتنا ضرورية والتهور غير مطلوب في ظروف كهذه لأن الخطأ الأول هو الخطأ الأخير.
ذهبنا باتجاه مستشفى صور الحكومي حيث علمت أن الأمم المتحدة تسعى لنقل جثث شهداء مروحين إلى هناك، وبقينا ننتظر حتى مل منا الانتظار، تركنا المكان واتجهنا إلى المدينة من جديد، لكني ما ان أطفأت محرك السيارة حتى عاجلني اتصال هاتفي من المستشفى يؤكد أن الجثث في طريقها إلى البرادات.
ذهبت من جديد ومعي هذه المرة الزميلان علي قميحة وحسن حمودي، وصحافي إيراني يدعي وحيد.
على أبواب مخيم البص حيث يقف المستشفى، كان اللاجئون الفلسطينيون ينظمون السير لمنع أي ازدحام، دخلنا وما هي إلا دقائق حتى كانت الأحذية تنهمر كالمطر على سيارات الأمم المتحدة التي تحمل الجثث، والسباب والشتائم يحاصر عناصر القوة الدولية من كل جانب.
حمى الغضب اجتاحت الجميع، لا سيما بعدما نقل الناجون من المجزرة أن الضحايا وقبل استهدافهم لجأوا إلى موقع للأمم المتحدة بعد أن أمرهم الإسرائيليون بالرحيل عن قريتهم، لكن رجال القبعات الزرق رفضوا إيواءهم، فانحصرت الخيارات أمامهم بالنزوح نحو صور.
وبقية القصة روتــها لي زينب من بلدة ام الــــتوت التي كانت في سيارة قريبة من موقع القصف، حيث أصيبت هي وطفلها الرضيع ونقلا إلى مستــشفى صور الحكومي للــعلاج.
«كانت الشاحنة الصغيرة التي تقلهم مزروعة بالرايات البيضاء، وهي كانت أصلا مكشوفة والأطفال في الجزء المكشوف من الشاحنة» كان طفل زينب يبكي من الالم، رضيع في شهره الثالث أو الرابع يعتصر من ألم الإصابات في جسده، حاولت إسكاته فلم يسكت فأعطته لأحد أقاربها ثم نظرت إلي من جديد وتابعت، «فجــــأة ظهرت طائرة هليكوبتر، سمعنا صوتها بوضـــوح وبعد ذلك لا أذكر ســـوى مشهد الجثث، وأنا أحاول أن أهرب بولدي من تلك البقعة الدامية».
في باحة المستشفى كانت الجثث تفترش الأرض والجميع يبحث بين اللحم المتفحم عن وجه فيه بقايا ملامح.
لم أجرؤ على سؤال أهالي الشهداء عن مشاعرهم، لكنهم كانوا أجرأ مني فتقدموا نحوي وسألوني إن كنت أرغب في مقابلتهم.
لقد سهلوا علي المهمة، إقتربت من الجد والوالد، فبادرني للكلام قبل أن أوجه إليه السؤال.
«نحن مسلمون سنة، وهؤلاء الشهداء هم الآن بين يدي الله وبقرب الرئيس الشهيد رفيق الحريري والسيد عباس الموسوي، بين هؤلاء ولد اسمه هادي، هو الآن بجانب السيد هادي ابن السيد حسن وأنا مطمئن».
علي هاشم
مراسل قناة «المنار» خلال حرب تموز 2006 في منطقة صور
 

ليست هناك تعليقات:

Al-Mayadeeen Feeds