الخميس، 27 أغسطس، 2009

«عام التغييرات» الإيرانية: رفسنجاني امام الاختبار



طهران ــ علي هاشم


عام التغييرات في إيران. هكذا ربما يمكن تعريفه. لكنه رغم كل الأحداث التي مضت، يتطلع للمزيد، خاصة أن البلاد على عتبة انتخابات رئاسة مجلس خبراء القيادة بعد عيد الفطر المقبل.
وإذا كانت الانتخابات الرئاسية الأخيرة قد ثبتت محمود أحمدي نجاد في سدة الحكم لولاية ثانية، لا يبدو حتى الآن ان هناك ملامح واضحة لانتخابات رئاسة مجلس الخبراء. وتحديداً مع اللغط الذي يحيط برئيس المجلس هاشمي رفسنجاني بسبب مواقفه خلال الانتخابات الأخيرة ومساندته بشكل أو بآخر الإصلاحيين في معرض اعتراضهم على النتائج وتأييده الضمني للاتهامات التي وجهت للنظام حول التزوير في الانتخابات.ولعل الذي وقع في إيران قبل شهرين إبان الانتخابات الرئاسية الأخيرة، يمكن له أن يذكر في التاريخ على أنه «ثورة للأغنياء على الفقراء»، وانتفاضة «أصحاب رؤساء الأموال على العمال والموظفين»، وهو ما يبرر ربما تسمية «الثورة المخملية» التي أطلقها النظام على حركة الإصلاحيين، أو «ثورة الماركات» كما اختارت بعض الصحف وصفها.
هذه «الثورة» يمولها بعض من في «بازار طهران»، وهو المكان عينه الذي دعم الثورة الإسلامية على الشاه. لكن الواضح أن البازار، الذي كان يوضع على رأس لائحة المؤثرين في السياسة الإيرانية، لم يعد قادراً على الصمود في وجه الفقراء، لا سيما أنهم ينظرون إلى محمود أحمدي نجاد والخط الذي يمثله على أنه خير منقذ لهم. هم جرّبوه لأعوام أربعة ماضية، وكان بالنسبة إليهم يد العون التي ساعدتهم على الانتقال إلى البر بعدما غرقوا لسنوات خلت في يم الفقر والحرمان.
أحد أهم رموز البازار، لا بل زعيمه، هو الشيخ رفسنجاني، الذي بدا للمرة الأولى في موقع الضعيف في نظام لطالما كان هو الرجل القوي فيه. فهو في الثورة الإسلامية تدرج من مناضل وثائر ومعتقل في بدايات عمره، إلى مستشار ورئيس في أوسطه. لكن وعلى عتبة سن التقاعد السياسي، بدا وكأن ختامه لن يكون مسكاً مع ترداد اسمه أكثر من مرة في قاعات محكمة الثورة حيث تحاكم مجموعات الإصلاحيين المتهمين بإثارة الشغب والتآمر على النظام.
كرر رفسنجاني في أكثر من مناسبة ممارسة هوايته في تدوير الزوايا، كما فعل إبان حكومته الثانية حين جمع بين المحافظين والإصلاحيين في التسعينيات، لكنه لم ينجح هذه المرة. أولاً لكونه في موقع الخصم المباشر لنجاد الذي تعرض له تكراراً خلال خطاباته في الحملة الانتخابية، أو خلال مرحلة المناظرات مع المرشحين المنافسين. وثانياً لأنه وخلال المرحلة الأخيرة، لم يتخذ قراراً واضحاً بالنسبة لعلاقته بالنظام والمرشد الأعلى.
رفسنجاني، وإن خرج يوم آخر خطبة جمعة ألقاها في جامعة طهران ناصحا النظام، لكنه لم يدافع عنه على حد قول أحد المراقبين، الذي يؤكد أن قراءة رفسنجاني السياسية للأوضاع لم تكن موفقة، وهو ربما الذي جعله غير قادر على مدى الشهرين الماضيين على الخروج بموقف يحسم وضعه إيجاباً أو سلباً. فهو وإن أكد أكثر من مرة على أن الثورة والمرشد خطان أحمران، لكنه بقي يوجه الضربات للرئيس، الذي وإن ظهرت بعض المشاكل بينه وبين المحافظين، لكنه يبقى واحداً منهم ورأس حربة مشروعهم السياسي بمباركة المرشد الذي وصفه أكثر من مرة بأفضل الأوصاف.
وصل رفسنجاني إلى الحائط المسدود للمرة الأولى منذ أعوام ثلاثين. هو حاول قبل أيام تعديل مواقفه بشكل جذري خلال كلمة له في مجمع تشخيص مصلحة النظام. لكن رغم تغطية وسائل الإعلام الإيرانية لكلامه في النشرات الإخبارية والصحف، بدا أن محاولته لم تحظ بالنجاح الذي توقعه، لا سيما مع ذكر اسم نجله مهدي بعدها بأيام في محكمة الثورة، وما قيل عن تورطه بشكل مباشر بالتحريض على الشغب والعمل لتقويض النظام.
إذاً، رسالة رفسنجاني للنظام وصلت، لكن التحية ردّت بأسوأ منها. وكلامه الهادف لإعلان الولاء للمرشد الأعلى، لم يلق صدى بدليل بث الاعترافات التي ذكر فيها نجله، وفي ذلك دلالات كثيرة. لكن الأهم يبقى أن انتخابات رئاسة مجلس الخبراء مقررة بعد عيد الفطر، وربما يأتي الجواب على كل مواقف رفسنجاني في صناديق اقتراع المجلس، لا سيما وأن رئاسة المجلس تضع صاحبه رسمياً في الموقع الثاني بعد المرشد الأعلى.
ولأن الموقع بهذه الحساسية، يبدو الشيخ رفسنجاني في وضع لا يُحسد عليه، رغم كل محاولات التميز التي قام بها. وفي هذا الإطار، يقول أحد المطلعين على المسألة، أن محاولات الشيخ الرئيس إبراز موقفه من المرشد الأعلى أمام مجمّع تشخيص مصلحة النظام قبل أيام، كان هدفها إقفال الطريق أمام أي مسعى قد يقوم به الرئيس نجاد أو أي محيطين به للضغط في اتجاه عدم التجديد له في الانتخابات المقبلة, وهو قرأ جيداً خطوة تعيين آية الله محمود هاشمي شهرودي عضواً في المجلس بناء عليه، قال لمن يهمه الأمر: «لقد وصلت الرسالة».

ليست هناك تعليقات:

Al-Mayadeeen Feeds