الجمعة، 25 سبتمبر، 2009

تطوير القطاع الزراعي في لبنان : دورة اقتصادية كبيرة


كتب حسين نورالدينnourddin4@hotmail.com

 

من المستغرب الاهمال الكبير الذي تبديه الدولة اللبنانية تجاه احد اهم القطاعات الانتاجية في لبنان ، الا وهو القطاع الزراعي .

دون اطالة وكلام دون طائل ، فان القطاع الزراعي بحاجة الى مشاريع ري بشكل اساس لتعزيز الزراعات المروية ، اما الخطوة الاخرى فهي فرض اجراءات حمائية لدعم الزراعة .

الملفت في السياسة اللبنانية هو عدم الاعتناء بحماية اي قطاع وبينها القطاع الزراعي ، بوجه التحرر الذي تفرضه منظمة التجارة العالمية ،لا بل ان لبنان لبنان عبر وزارة اقتصاده يهرول للانضمام الى اتفاقيات التبادل التجاري دون دراسات تساهم في حماية رؤوس الاموال او الايدي العاملة في القطاعات الهشة في لبنان .

ان اللافت في امر منظمة التجارة العالمية هو تغاضيها عن الدول الكبرى ، ففرنسا مثلا تستمر بفرض الاجراءات الحمائية على مصنوعات النسيج عندها ، لمحاربة اغراق اسواقها بالبضاعة المستوردة من الاسواق الرخيصة . كذلك فان الولايات المتحدة الاميركية ترفض الانضمام الى اتفاقية كيوتو للانبعاثات الغازية ، على الرغم من انها تشكل اكبر منتج للغازات التي تؤدي الى ارتفاع حرارة الارض . وقد فرضت الامم المتحدة عبر اداتها الاقتصادية في منظمة التجارة العالمية القيود على الدول النامية ، دون ان تسري هذه القيود على الدول الكبرى.

ان كل دولة عليها ان تراعي مصالح ابنائها وعدم الهرولة نحو الغرب الذي يحمي مصالحه ومصالح شعوبه.

ان اعتناء الحكومة اللبنانية وتكريسها اي دعم للزراعة سيؤدي الى دورة اقتصادية هامة ، ليس فقط في حجمها الاقتصادي المالي ، ولكن في تأثيرها على كتل شعبية كبيرة ، عبر اعادة توزيع الدخول بطريقة اوسع ، وهو الامر الذي لا يتحقق عند دعم قطاع اخر مثل قطاع السياحة مثلا.

ان من اهم اهداف الاقتصاد والسياسات الاقتصادية (النقدية ، الضرائبية ...) هو اعادة توزيع الثروة والسعي نحو عدم تكدسها بايدي فئة محددة من رجال الاعمال الذين لا يلبثون يزيدون ثرواتهم.

ولتبسيط الامر على القارئ فان فتح بقالة مثلا يتطلب من صاحب العمل اما ان يكون موجودا في محله او ان يوظف احد الاشخاص لادارة بقالته كحد اقصى . اما زراعة ملكية معينة ، فان الامر قد يتطلب من صاحب الارض ، ان يوظف عدة اشخاص لفلاحة الارض ورشها بالسماد والقيام بالقطاف والتعليب والتوضيب .

يتميز القطاع الزراعي بكثافة الايدي العاملة التي يتطلبها ، ومن زاوية اخرى ، فان كل عامل يعني عائلة تعتاش من هذا العمل .

ان حماية المنتوجات اللبنانية من الاغراق وادارة الموضوع بطريقة سليمة ، ستدفع المزارع الى العودة لارضه والانتاج فيها ، وبصورة مبسطة فان انتعاش القطاع الزراعي في عام واحد (لنتصور الامر ) سيدفع الى زيادة انتاج الكرتون ، وهذا يعني تحريك عدد من المصانع.

كذلك فان الامر سيدفع الى استيراد المزيد من المواد الاولية ، ولذا فان شركات التخليص ستنتعش ، وكذلك شاحنات النقل ، وكذلك مصانع البلاستيك واستيراد المواد الاولية ، كذلك فان الطلب سيتحرك صعودا بالنسبة لليد العاملة في الزراعة والري والقطاف والعناية بالمزروعات ورش المواد الكيماوية .

ان حماية المنتوجات اللبنانية ، يضاف اليه عنصر النوعية في الانتاج الزراعي ، لا شك سيخلق فرصا اكبر للمنافسة في الاسواق العالمية الاوروبية والعربية الصحراوية على وجه الخصوص .

ان تبسيط الامر لا يعد نظرة سطحية للامور بل هو لب الدورة الاقتصادية لاي قطاع .

يختلف القطاع الزراعي عن غيرها من القطاعات في انه يشكل جزء من الامن الغذائي للمجتمع ، وهو المصطلح الذي يعتبره البعض شعبويا وغير ذا قيمة ، ولكن الناظر الى مصالح الامم والشعوب يعرف كيف تقيم هذه الامور .

فها هي العراق وسوريا وتركيا تجتمع في انقرة لادارة ازمة مياه الرافدين ، فالعراق وسوريا تطالبان بزيادة حصتهما من المياه التي تحبسها تركيا في سدودها ، وذلك لزيادة رقعة الاراضي الزراعية فيها بشكل اساس، الا ان الامر قوبل برفض من انقرة لما يشكلها الامر من امن لمجتمعها .

كذلك فان تمتع الصومال بأي امن غذائي كان بالتأكيد ليحجب عنها شبح المجاعات المستمرة منذ زمن.

ان رقعة الاراضي الزراعية في لبنان كبيرة ، والاراضي القابلة للاستثمار الرزاعي كبيرة ايضا ، وملاك الاراضي من الفلاحين بحاجة الى دعم الدولة في تحويل مزيد من الاراضي الصخرية الى اراض زراعية منتجة .

لتبسيط الامر مرة اخرى ، لو ان ارضا اعطت فلاحا مليون ليرة سنويا(امر عادي جدا لو زرع الفلاح دونمي قمح فقط ) ولنفترض ان عائلة من اربعة افراد يمتلكون ثمانية دونمات من الارض زرعوها قمحا ، فان ايراد هذه العائلة سيزيد اربعة ملايين ليرة في السنة ، هذه الاموال بحكم القاتنون الاقتصادي ستزيد من الدخل وبالتالي فان مصروف هؤلاء سيرتفع ، ما سيخلق دائرة مالية حولهم ويساهم في انتقال الانتاج الزراعي من الارض الى الملاك الى البقالة والمطعم والتاكسي وهكذا ، فكيف لو تصورنا ان الرقعة الزراعية في لبنان زادت بعدة الاف من الهكتارات .

لا شك ان التجربة السورية والاردنية والسعودية في هذا المجال واعدة ، فالاولى اعنمدت مشاريع تدريج الاراضي (التجليل) والثانية اعتمدت على ري النقط في منطقة الغور والثالثة قامت بتحويل الصحراء الى اراض زراعية لتنتج منها الذرة والقمح .

يبقى ان نشير الى ان الانتاج الزراعي يتكامل في مواقع كثيرة منه مع القطاع الصناعي ، فيتم تحويل بعض الزراعات الى مواد اولية للصناعات الغذائية ، مثل المربيات والمعلبات ، والزيوت وغيرها ، ولا يمكن ان ننسى مدى تكامل الانتاج الحيواني مع القطاع الزراعي .

ان على الدولة اللبنانية ان تلحظ في موازناتها تعزيز الحضور الزراعي اللبناني ، وعلى المشرعين ان يزيدوا من الاجراءات الحمائية بما يراعي مصالحنا واستفادتنا من منظمة التجارة العالمية ، كما تستفيد منها كبرى الدول في حماية قطاعاتها المختلفة.

 

ليست هناك تعليقات:

Al-Mayadeeen Feeds