الأربعاء، 15 أبريل، 2009

خلية حزب الله في مصر: مسلسل إقفال الجبهات


جبهات الطوق وفلسطين تقفل واحدة تلو الأخرى، من مصر إلى الاردن وسوريا، و جبهة لبنان المجمدة حاليا، وصولا إلى جبهات فلسطين الداخلية حيث بنادق المقاومين ملت من صمت رصاصها، والصدأ أكل على موائد العبوات المنتظرة للتفجير في طول الضفة الغربية وعرضها. جبهة واحدة فقط لا زالت فاعلة في الصراع، هي غزة الصامدة، التي عزفت قبل أشهر قليلة على أوتار الجسد أرقى ألحان التضحية وظلت رغم الحصار المطبق عليها تقاوم وتتصدى حتى أجبرت إسرائيل على التراجع دون تحقيق أهدافها لتتوأم نصر تموز 2006 بصمود غزة 2009.
إذن فغزة اليوم هي جبهة الصراع الأخيرة المشتعلة بين إسرائيل والعرب، وبإقفالها يدخل الصراع مرحلة جديدة يزداد فيها السقف إنخفاضا ومساحة ما تبقى من فلسطين إنكماشا وعرب الإعتدال تأثيرا، والطريق الوحيد لتحقيق ذلك يكون بحصارها بشكل خانق يمنع إذا أمكن الهواء من دخولها فكيف بالأموال والغذاء والسلاح.
في سبيل هذا الهدف، سخرت إسرائيل قدراتها العسكرية والأمنية، فأغلقت ما أمكن إغلاقة وقصفت ما أمكن قصفه، أما الحدود المتبقية فهي تحت السيطرة المصرية فكان إقفال معبر رفح. لكن إغلاق المعبر لم ينفع تماما في منع دخول السلاح إلى القطاع حيث لعبت الأنفاق التي تنتشر على طول الحدود دورا كبيرا في مد غزة بأوكسجين المقاومة ومواد الغذاء الأساسية.
كان لا بد من حل يريح الدولة العبرية من صواريخ المقاومة اليومية، التي وإن وصفت بالعبثية من البعض، فهي تؤدي دورا مهما في إستمرار الصراع. إتفقت الولايات المتحدة وإسرائيل على تنسيق الجهود في هذا الإطار، وخرجت عدة أفكار في هذا الإطار لكنها بقيت في إطار البحث ولم تنفذ فعليا، واجمع الجميع على أن مفتاح حل هذه الأزمة في مصر، ووجهت إنتقادات عديدة للنظام المصري من قبل واشنطن وتل أبيب لتقصيره في الدور المنوط به.
بالنسبة للقاهرة كان الصراع الفلسطيني الفلسطيني مصدر قلق لاسيما مع تثبيت حماس أركان دولتها في غزة، لكن القلق هذا لم يتطور إلى حالة الهاجس، فكانت تغلق الأنفاق التي تجدها دون أن تسعى للبحث عن أنفاق أخرى، في حين أكدت لي مصادر أمنية مصرية أن المخابرات كانت تغض النظر أحيانا، وهو ما يبدو أن واشنطن وتل أبيب كانتا تعلمان به، فجهدتا في إطار جمع المعلومات وتقديمها لمصر بحيث تصبح أمام خيار واحد لا ثاني له وهو التحرك، وهو ما كان في قضية خلية حزب الله المصرية، حيث ذكرت صحيفة هارتز الإسرائيلية ان الموساد واجهزة المخابرات الأميركية زودتا القاهرة بمعلومات وافية عن نشاط الخلية وقد عمدت القاهرة فعلا إلى جمع المزيد من المعلومات والقبض على المشتبه بهم، ولا يستبعد أحد المراقبين أن تكون عناصر من الموساد والإستخبارات الأميركية قد حضرت التحقيقات لأهمية ما يمكن ان ينطق به عنصر من حزب الله في هكذا موقع.
القبض على الخلية جاء قبل شهر تقريبا من الحرب الإسرائيلية على غزة، وبدا واضحا أن كشفها جاء متأخرا بعدما تمكنت من إدخال السلاح والذخيرة وبعض الأفراد المدربين خير تدريب في الخارج إلى القطاع.
كانت الفترة الفاصلة بين القبض على المجموعة والحرب على غزة حبلى بالأحداث والعلاقة بين مصر وحزب الله كانت لا تزال على ما يرام فكان القرار على ما يبدو بمتابعة التحقيق مع المتهمين وفتح قناة إتصال مع حزب الله لتوضيح الملابسات والتفاصيل، لكن وقوع الحرب على غزة قلب المشهد من دفة إلى أخرى، حيث إشتبك الأمين العام لحزب الله كلاميا مع النظام المصري لاسيما عندما تمنعت القاهرة عن فتح المعبر وكانت دعوته للشعب المصري والأمن المصري لفتح المعبر رغما عن أنف النظام وهنا وصلت الأمور إلى مرحلة اللاعودة وأضحت المجموعة المعتقلة كنزا لا يمكن التفريط به لأنه سيتحول فيما بعد إلى أداة للرد على حزب الله وطالما هي كذلك فلتكن رسالة علنية لتل أبيب بخصوص إستمرار التعاون الأمني، ورسالة لواشنطن بأن للقاهرة دورا تلعبه في المنطقة في ظل تجاهل الإدارة الأميركية الجديدة لدول الإعتدال العربي، وإنفتاحها المستجد على إيران.
وفورا تحولت القضية إلى معركة بالوكالة بين محور"الإعتدال العربي" ممثلا بمصر، ومحور "الممانعة والمقاومة" ممثلا بحزب الله وسخر كل طرف لحليفه كل الإمكانيات لاسيما وأنها دخلت تحت خانة كسر العظم وبدت مؤهلة من جانب لكسر صورة حزب الله والمحور الذي يمثله في الشارع العربي بشكل عام والمصري بشكل خاص، ومن جانب آخر لشن حملة شاملة على الأنفاق المؤدية إلى غزة وإقفالها وبالتالي حصار حماس وحكومتها في غزة وإستنزافها إلى مرحلة يصبح فيها الإستمرار في الممانعة رميا للنفس في التهلكة والاستسلام خير الحلول وأسلمها، وبالتالي تغلق آخر الجبهات المفتوحة.

ليست هناك تعليقات:

Al-Mayadeeen Feeds