الجمعة، 31 يوليو، 2009

إيران بين ضفتين


علي هاشم
طهران :
أصوات أبواق السيارات في شارع ولي عصر في طهران، تكاد تصم الآذان. لكنها بالنسبة للبعض من مناصري المرشح الإصلاحي الخاسر مير حسين موسوي وحلفائه، وسيلة تعبير، تضاف إلى التكبير من على أسطح المباني.
ومن بين أصوات الأبواق، كانت أصوات أخرى تخرج لشابات وشبان يتشحون بالسواد، ويرفعون شارات النصر وصوتهم بشعار «الموت للديكتاتور». لحظات ويسمع للصوت صدى، فتتداخل الأبواق والأصوات، لتصمت بعد دقائق، ويعقبها وقع أقدام تركض في كل اتجاه. المشهد يتكرر كل ربع ساعة تقريبا، كأنه فيلم سينمائي بعرض متواصل، تتغير فيه السيارات، ويتغير معها الأشخاص، لكن المشترك بينهم، صوتهم الرافض.
على الجهة الثانية من الشارع قرب بارك ملت، الحديقة الأشهر في طهران، عائلات تحاول أن ترمي عنها ثقل أسبوع العمل، لكنها تجد نفسها محاطة بأصوات المعترضين. كثيرون يقفون ليطالبوا أنصار موسوي بالهدوء، «فالبلاد لم تعد تحتمل هذه الحركات الصبيانية»، على حد تعبير السيد رحيمي، الرجل السبعيني الذي شهد عهد الشاه، وعاش الثورة، وقدر له أن يحيى ليعايش هذه المرحلة. آخرون إلى جانبه، بينهم من جاوز الثلاثينات، ومنهم لا يزال في أوج العشرينات، يوافقون الرجل الرأي، فإيران بالفعل، لا تحتمل.
في الجانب الآخر من العاصمة، على بعد ساعة تقريبا من بارك ملت، وتحديدا في «بهشتي زهراء»، مقبرة طهران الرئيسية المجاورة لضريح الإمام الخميني، جمع الموقع الأضداد صباحا. حضر مير حسين موسوي ومهدي كروبي وحشد من جمهور الإصلاحيين لزيارة قبور من قتلوا خلال الأحداث التي تلت الانتخابات الرئاسية الأخيرة. وفي مقابلهم، انتشرت قوات الأمن التي أتت من كل حدب وصوب وتوزعت على مساحة المكان، ففرقت من حاولوا التظاهر، معيدة إلى الأذهان بعضا من مشاهد ما بعد الانتخابات.
وفي حين مُنع موسوي، بحجة الحفاظ على أمنه، من دخول المقبرة، التي يعني اسمها بالعربية «جنة الزهراء» وتضم رفات آلاف الإيرانيين الذين قتلوا خلال فترة الحرب الإيرانية العراقية التي كان موسوي خلالها رئيسا لوزراء إيران، شق كروبي طريقه بين عناصر الأمن والمتظاهرين بصعوبة، وتمكن من الوصول إلى مكان حفل التأبين الذي لم تمنحه الحكومة ترخيصا.
وذكرت وسائل إعلام ومواقع على الانترنت ان الشرطة اعتقلت عددا من المحتجين الذين قدرهم شهود عيان بالمئات وهتفوا تأييدا لموسوي داخل المقبرة، قبل ان تفرقهم مستخدمة الغاز المسيل للدموع، بحسب قناة «برس تي في». وحاول مئات الايرانيين بعد ذلك التجمع في باحة المصلى الكبير في وسط العاصمة، رغم قرار السلطات حظر تجمع كان مقررا في هذا المكان. وتحدث شهود عيان عن وقوع اشتباكات بين محتجين وشرطة مكافحة الشغب في جادة ولي عصر، سبقها إشعال النيران في صناديق القمامة.
وذكرت تقارير انه جرى توقيف المخرج الايراني جعفر بناهي وزوجته طاهرة سعيدي وابنتهما سولماز في المقبرة، في وقت أشارت وكالة «مهر» شبه الرسمية الى ان الإصلاحي البارز سعيد حجاريان نقل الى منزل «تملكه الدولة»، من السجن حيث احتجز بعد فترة قصيرة من الانتخابات الرئاسية في 12 حزيران الماضي.
وقد أعربت وزارة الخارجية الاميركية عن «قلقها» للجوء الشرطة الايرانية الى «القوة». وقال المتحدث ايان كيلي «اعتقد انه من المقلق ان نرى القوات الامنية تستخدم القوة لإنهاء تظاهرة تأبينية». واضاف «نحن نقف الى جانب الشعب الايراني الذي يسعى الى ممارسة حقه في حرية التعبير عبر التظاهر سلميا».
على الصعيد الرئاسي، وفيما تستعد دوائر القرار في طهران لمراسم تنصيب الرئيس محمود أحمدي نجاد رئيسا لولاية جديدة يوم الاربعاء المقبل، بعد تصديق رئاسته يوم الاثنين، دارت في الآونة الأخيرة الكثير من الأحاديث حول مرحلة السنوات الأربع المقبلة، والتعايش ما بين الرئيس من جهة، ومرشد الجمهورية آية الله السيد علي خامنئي ومجموعات المحافظين من جهة ثانية، والإصلاحيين والمعارضين لرئاسة نجاد من جهة ثالثة.
وفي هذا الإطار، يشكك عدد من المراقبين في إمكانية بلوغ نجاد يوم أداء اليمين، لا سيما بعد ما رشح من كلام حول اختلافات في الرؤية بشأن مجموعة من الأمور بين الرئيس والمرشد، وما سرب مؤخرا عن تململ في صفوف المحافظين من أسلوب نجاد في التعاطي مع المسائل ومع تعليمات خامنئي وملف تشكيل الحكومة الجديدة. وقال احد المقربين من دوائر القرار لـ «السفير»، ان الأمور كادت تصل إلى مرحلة البحث في بديل للرئيس، لكن حراكا ووساطات على خطي نجاد وخامنئي، أفضت إلى العدول عن ذلك.
لكن لا يزال البعض ينظر إلى نجاد على أنه الأكثر التصاقا بالنظام، بغض النظر عن بعض الأمور التي حدثت، مثل تعيين اسفنديار رحيم مشائي نائبا للرئيس، ومن ثم عزله وتعيينه في منصب مدير مكتبه ومستشاره الاول، رغم تحذيرات المرشد من تعيين الرجل في أي موقع حساس، الى جانب قضية عزل الوزراء مؤخرا والعودة عن عزل معظمهم والاكتفاء بإقالة وزير الأمن.
ويرى هؤلاء أن الرئيس «أعاد للثورة روحها التي فقدتها خلال المرحلة الماضية». فهو «شعبي ومحبوب من الطبقات الفقيرة ومواقفه تجاه أميركا وإسرائيل صريحة للغاية ولا تحمل أي تأويل»، وهو في التزامه الديني يمثل «قدوة» للآخرين، وعلاقته بالمرشد حتى الأمس القريب كانت تشبه علاقة الابن بالأب، «وتترجم حقا روح ولاية الفقيه» التي يقوم على أساسها النظام في الجمهورية الإسلامية.
بعض هؤلاء يشكك حتى بوجود خلاف بين خامنئي ونجاد، ويعتبر أن ما حصل هو مجرد «سوء فهم» ولا يمكن البناء عليه أو الوقوف عنده، وأن الرئيس سيبقى طيلة ولايته الثانية متسلحا بدعم المرشد وتحت نظره، لا سيما أن البلاد مقبلة، طوعا أو قسرا، على تحديات عديدة، على رأسها المواجهة مع الغرب والعلاقة مع دول المنطقة والعلاقات الخارجية، ومن ثم تأتي الملفات الاقتصادية وتحسين ظروف الحياة للإيرانيين وغيرها من الأمور التي تتطلب استقرارا في رأس الهرم، وتعاونا وتأييدا من القاعدة الشعبية.

 

 

 

 


 





Celebrate a decade of Messenger with free winks, emoticons, display pics, and more. Get Them Now

ليست هناك تعليقات:

Al-Mayadeeen Feeds