الخميس، 9 يوليو، 2009

إختبار جديد للنظام والإصلاحيين ورفسنجاني يستخلص العبر، إيران ما بعد عاصفة الإنتخابات

منشور في صحيفة السفير اللبنانية

علی هاشم ـ طهران

هادئة هي طهران في نهارها وليلها، هدوء مدن الغرب من باريس إلى واشنطن لا بل قل أكثر، حتى الشوارع لا تعطيك إنطباعا ان شيئا ما حدث هنا كاد أن يغير الموازين في الداخل ويقلب المعادلات في المنطقة لولا سياسة الإحتواء التي إتبعها النظام بعسكره وسياسيه ورجال دينه.

فقط هي اصوات القلة من مناصري الإصلاحيين ممن لم ييأسوا من التظاهر، فإستبدلوا الشوارع العامة بأسطح المباني متخذين من الليل وقتا لخروجهم لهنيهات صارخين بأعلى الأصوات: "الله أكبر ويا حسين مير حسين"، ولكن الأصوات هذه تتراجع يوما بعد يوم لتعود أدراجها إلی البيوت والصالونات الثقافية وتتجمع كالجمر من تحت الرماد بإنتظار فرصة مشابهة قد تكرر وقد لا.

ولعل قرار مير حسين موسوي تآسيس حزب سياسي جديد، يحمل بين طياته نية الإستمرار في المعركة والإبقاء علی جو التعبئة بين جمهوره لكي لا تذهب جهود المرحلة الماضية أدراج الرياح، لكن بعض المحللين ممن تحدثنا معهم لم يبدوا تفاؤلا بذلك وفي هذا الإطار ذكّر الكاتب الإيراني محمد صادق الحسيني بتجربة الشيخ مهدي كروبي لدی تأسيسه حزب "إعتماد ملي" مشككا بإمكانية نجاح تجربة حزبية من هذا النوع لاسيما وأن مجتمع الأحزاب في إيران لم ينجح على إمتداد السنين الماضية في إجتذاب قاعدات شعبية عريضة، بل إقتصر تأثيره على النخبة من المثقفين وابناء الطبقات المتوسطة والغنية.

ربما تكمن الصعوبة في نظرة قادة المعارضة للأمور وطريقة تعاطيهما مع النظام. فمما ظهر من مواقف بدا أن مير حسين موسوي والشيخ كروبي ومن خلفهما الشيخ هاشمي رفسنجاني لم يتوقعوا هكذا رد فعل من النظام. ربما إشتبه عليهم أن النظام المتسلح بسياسة النفس الطويل في علاقاته الخارجية سيلجأ للإنفعال الزا‍‍ئد ردا على الإحتجاج في الداخل، الأمر الذي يضعفه في نظر الرأي العام الداخلي ويضعه أمام تهمة تهديد ميزة البلاد الأساسية منذ قيام الثورة ألا وهي الأمان.

بيد أن الحسم السياسي السريع من خلال خطاب مرشد الثورة السيد علي خامنائي وما تضمنه من مواقف حاسمة، في مقابل الشغب الذي سيطر علی الشارع وما نتج عنه من تكسير للأملاك العامة وحرقها، قلب الميمنة على الميسرة وحول بعض التعاطف الذي حصل عليه المعارضون في الأيام الأولى إلى سخط في صفوف العامة أفقدهم القدرة على الحشد الشعبي والإستمرار في إحتلال الشارع كمقدمة لتغيير المعادلة كما صرح البعض.

بالنسبة لمير حسين موسوي ومهدي كروبي لم يوقفهما خطاب المرشد عن المطالبۀ بإعادة الإنتخابات، فإستمرا في حملتهما مصعدين منددين مهاجمين ومتسلحين بغطاء مجموعة من رجال الدين في قم علی رأسهم آية الله يوسف صانعي، حتى كادت الأمور تصل بين هذا المعسكر من جهة وبين النظام ومحتضنيه من المحافظين إلى حد التخوين إذا لم نقل أكثر.

وحده الشيخ رفسنجاني قرأ الواضح البين مما قيل في صلاة الجمعة الأولى بعد الإنتخابات، وحلل ما إحتضتنه السطور، فإستخلص العبرة وتجنب الغوص في القيل والقال، وفي اللحظة المناسبة نفذ حركة إلتفافية تضمنت إنتقادات لمناصري الإصلاحيين وموضحا أن المنافسة في الإنتخابات الأخيرة لم تكن في المستويات العليا للنظام أو خارج اسرته، بل وبتصريح جميع ارکانه کانت مسؤولية اسلامية وثورية ووطنية ولا ينبغي ان يعتبرها البعض شرخا في بنية الثورة.

هكذا خرج الشيخ الرئيس كما يحلو للبعض تسميته من قلب المعركة تاركا حليفيه لمصيرهما في ظل مشهد جديد عماده المحافظين مجددا في السلطة كما في الأعوام الأربعة السابقة، لكن مع تراجع للتيار الإصلاحي على صعيد التأثير في القرار أو المنافسة على سدة الحكم، أولا لحال التشنج بين بعض رموزه والنظام وترويج بعض من فيه لتغيير قواعد اللعبة، ما جعلهم يقفون موقف المتهم لا الشريك في الوطن بنظر المحافظين، وثانيا لعجزهم عن الإستمرار في حملتهم الذي إنعكس إحباطا في صفوف مؤيديهم وحنقا لدى البعض الآخر ممن عولوا كثيرا على التحرك الأخير، الأمر الذي دفعهم لإختيار السلبية في التعاطي المستقبلي مع الأحداث.

في الشكل نجح النظام هنا في تخطي الإمتحان الصعب وان نسبیا، وهو امتحان لو فشل فيه لكانت الأمور في إتجاه مغاير، ربما في إتجاه لم يكن يخطط له المبغض أو يتشائم في توقعه المحب، عنوانه ببساطة الفوضى، وأي فوضى.

في المضمون يقول الباحث في الشؤون الإستراتيجية أمير موسوي للسفير ان ما حدث أوصل البلاد للمرة الأولی منذ قيام الثورة إلی مرحلة الحاجة لجهود التقريب من الفرقاء، وهو الأمر الذي يقود السعي فيه المرشد الأعلی ويعاونه رجال دين وسياسة من المحافظين والإصلاحيين، والهدف الآساسي منه إخماد الجمر المشتعل والتوطئة لمرحلة جديدة لاسيما وأن الآخطار التي تتهدد البلاد، لاتشكل خطرا فقط علی حزب أو فريق في البلاد، بل علی الأمة الإيرانية أجمع.

http://www.assafir.com/WeeklyArticle.aspx?EditionId=1282&WeeklyArticleId=58138&ChannelId=7593&Author=علي-هاشم

ليست هناك تعليقات:

Al-Mayadeeen Feeds